{ ليَرْبطَ عَلى قُلوبكُم } يشد عليها بالصبر فتتوصل إلى الوثوق بالله واليقين ، والتشجع على العدو والتثبيت ، ولا حاجة إلى الحكم بزيادة على ، فإنه كما يقال: ربطت الشئ يقال: ربطت عليه { ويُثبِّت بهِ } بالماء { الأقْدامَ } فلا تسوح في الرمل أو الماء للربط ، فانه إذا ربط على القلب ثبت القدم في موطن القتال ، روى أنه A ، نزل قريبا من بدر ، وقد أمطرت السماء غير كثير ، ونزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادى ، ونزل المسلمون على كثيب أى تراب متراكم أعفر ، أى مائل إلى البياض تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب ، وقد سبقهم المشركون إلى ماء بدر فأحرزوه ، وحفروا القليب لأنفسهم .
وأصبح المسلمون بعضهم محدث ، وبعضهم جنب ، وأصابهم الظمأ وهم لا يصلون إلى الماء ، ووسوس الشيطان لبعضهم وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبى الله ، وأنكم أولياء الله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم عطاش وتصلون محدثين مجنبين ، وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم ، ويذهب قواكم ، فينحكموا فيكم كيف شاءوا ، فأرسل الله عليهم مطرا في الليل أسال منه الوادى ، فشرب المسلمون واغتسلوا وتوضئوا ، وسقوا الركاب وملئوا الأسقية ، وأطفأ الغبار ، ولبَّد الأرض ، حتى ثبتت عليها الأقدام ، وزالت عنهم وسوسة الشيطان ، وطابت أنفسهم فذلك قوله: تعالى: { وينزل عليكم من السماء ماء } الآية .
وكانت الأرض التى عليها المشركون تزلق بهذا الماء فقيل: لكثرته فيها ، وقيل: معجزة ماء واحد على قدر واحد في أرض واحدة ، زلق أرضهم حتى لا يقدروا على الانتقال بسرعة ، ولبد أرض المسلمين ، قال بعضهم: خرج رسول الله A يبادرهم إلى الماء ، فنزل بأدنى ماء بدر ، فقال له الخباب بن المنذر بن الجموح: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل منزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: « بل الرأى والحرب والمكيدة » قال: يا رسول الله صلى الله عليك ، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فتنزله ، ثم تغور ما وراءه من القلب ثم نبنى عليه حوضا فتملأه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون ، وقال رسول الله A: « لقد أشرت بالرأى » فنهض رسول الله A ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء إلى القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغورت ، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء ، ثم قذفوا فيه الآنية .