وأما إذا كانت بمعنى عند فكونه قبلة متبادر ، وإذا كانت للتعلي فليس في ذلك ما يدل على أنه قبلة لهم في سجودهم . ووجه قبلة لهم تعظيمه أوامرهم باستقباله في السجود له تعالى لكونه سببًا لهذا السجود الذى أمرهم به الله ، أو لكونه ذريعة لهم إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمالات ، مثل الصلاة خلق سيد الأولين والآخرين محمد - A - ليلة الإسراء وتكلمهم له وإيحاء القرآن وما ولته والسنة وسائر كتب الله ، تبارك وتعالى ، وسائر وحيه خصوصًا جبريل ، بل يكفيهم كون جبريل الذى يلى غالب ذلك منهم ، ومثل نزولهم ليلة القدر ، وحضور مجلس القرآن والذكر والعلم وكتابة حسنات بنى آدم ونحو ذلك . ولكونه ذريعة إلى ظهور تفاوتهم في الدرجات ، فأفضلهم جبريل لملاقاته سيد الأولين والآخرين وسائر الأنبياء ، أو لكونه أصلا لخلق الخلق كلهم ، الملائكة وغيرهم الأجسام والأعراض ، لأن سيدنا محمد - A - يكون منة ، وهو لولاه لم تخرج الدنيا من العد ، وأمرهم باستقباله شكرًا لما أنعم عليهم بوساطته ، ولتعليمه إياهم أسماء الأشياء بأمر الله - D - أو لجميع ذلك . وهذه الاحتمالات كلها تتأتى إذا قلنا ذلك السجود له ليعترفوا بفضله ، ويؤدوا حقه الذى يتضمن كلامهم نقصه ، ويعتذروا عما تكلموا فيه ، وتتأنى جميع الأوجه أيضًا إذا قلنا: إنه لا سجود إيماء هناك بوصول الأرض ، ولا بدون وصولها ، بل أمرهم بالتذلل والانقياد بالسعى في تحصيل ما تتعلق به حياتهم ، ويتم به كمالهم . فإن أًل السجود مطلق التذلل . قال زيد الخير:
بجيش يظل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر
وفى رواية: بجمع يظل البلق البيت . فالأكم جمع أكمة وهو الموضع المرتفع من الأرض ، أى ترى المواضع المرتفعة تحت حوافر الخيل ، كأنه تنخفض لحوافرها تذللا . وقال أعرابى من بنى أسد:
فقدن لها وهما أبيا خطامه ... وقلن له اسجد لليلى فأسجدا
أى قادة النوق إلى ليلى أو لأجل ليلى جملا ضخمًا ممتنع الرسم ، وقلن اتضع لليلى فاتضع بحط رأسه لتركبه ، أسجد البعير بوزن أكرم بمعنى طأطأ رأسه ليركب ، ويجوز كون همزته للتعدية أى اسجد رجليك ويديك ورأسك ، فأسجدهن آى وضعهن إلى جهة الأرض ، والسجود شرعًا وضع الجبهة والأنف والرجلين والركبتين واليدين على الأرض على قصد العبادة .
{ فَسَجَدُوا } : له .
{ إِلآَّ إِبْلِيسَ } : استثناء متصل على سبيل المجازن ، لما كان بينهم متعبدًا بعبادتهم صار كأنه واحد منهم ، فسمى باسم الملك مجازا بالاستعارة . ويجوز أن يكون منقطعًا . ومن زعم أن إبليس من الملائكة فقد قال بعض أصحابنا إنه يشرك لأن الله - D - قال: { كان من الجن } وأقول: لا يشرك لأنه تأول ذلك من الاستثناء ، لأن أصله الاتصال .