وقال أنس: لما تقدم ليصلى عليه ، جاءه جبريل فجبذه بثوبه ، وتلى عليه الآية ، فانصرف ولم يصل ، والمشهور الأول ، وأنها نزلت بعد الصلاة ، ولم ينه عن القميص لأنه مكافأة والضنة به بخل ، بخلاف الصلاة فإنها استغفار ، ولا حظ فيه لكافر ، كما يدل عليه ترتيب النهى على قوله: { مات } أى مات على الكفر ، كما نص عليه بقوله: { أبدا } على أنه متعلق بمات ، أى مات موتا أبديا ، فان إحياء الكافر بعد موته للتعذيب دون التمتع ، فلا حياة له نافعة ، فكأنه لا حياة له ، والمشهور تعليقه بتصل ، أو بلا ، وأيضا تكفنه في قميصه مع كفره لا ينفعه ، فهو كغيره من الأكفان .
« كما روى عنه أنه قيل له في ذلك فقال: » إن قميصى لا يغنى عنه شيئا ولن أؤمل من الله أن يدخل بفعلى هذا في الإسلام كثيرا « » فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب التبرك بثوبه ، والنجاة به ، وطلبوا ترحمه واستغفاره ، فكان ذلك لطفا وجلبا لغيره ، ولكن الرواية الصحيحة أنه قال: « آمل أن يدخل رجال من قومه في الإسلام » فإنه قد ضعف النفاق ، ولا يبلغ أهله حينئذ ألفا ، وإنما صلى عليه جريا على ظاهر أمره لما في ذلك من المصلحة ، ولو علم أنه مشرك ما صلى عليه ، أو كان عالما بإشراكه ، ولكنه قبل عنه إنكار الشرك حين اعتذر وأنكر ما يقال عنه ، كيف وقد نزل عليه: { ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } على ما يأتى فيهم إن شاء الله ، وجملة مات نعت ثان ، والأول منهم أو حال من أحد أو من ضمير المستتر في النعت .
{ ولا تَقُم عَلى قَبْره } للدفن أو الزيارة { إنَّهم كَفرُوا باللهِ ورسُولِه ومَاتُوا وهُم فاسِقُونَ } تعليل جملى للنهى عن الصلاة ، والوقوف على القبر ، أو تعليل لتأبيد الموت على تعليق أبدا بمات ، وإنما قال: مات وماتوا بلفظ الماضى ، مع أنهم حينئذ لما يموتوا لأنهم لا بد يموتون ، فكأنهم ماتوا ، أو لأن ذلك على تقدير حصول الموت ، ويدل على سوغ أن النفاق في القرآن قد يقع على من أسر الشرك قوله: { إنهم كفروا بالله ورسوله } فإن من فعل كبائر غير الشرك ، لا يقال فيه إنه كفر بالله ورسوله ، ولعل أصحابنا يقولون: المراد كفروا بنعم الله ورسوله ، ونعم الرسول ما جرى على يده من الخير وأمر الإسلام ، أو يقولون: نزل أفعالهم وأقوالهم الخبيثة منزلة الكفر بالله ورسوله ، ويقصرون منع الصلاة على هؤلاء الذين خصهم الله ولرسوله A ، ويأخذون الصلاة على سائر المنافقين الذين لم يسروا الشرك من قوله A: