فهرس الكتاب

الصفحة 2788 من 7680

وإن قلت: كيف بلغ ذلك المبلغ من الحزن وهى نبى؟

قلت: لم يبلغه باختياره ، بل جبلت النفس على أن تحزن عند الشدائد ، وكان مأجورا على عدم خروجه عن الرضا الله وقدره ، إلى تحويره ، أو صياح ، أو نياحة ، أو لطم ، أو تمزيق ثوب ونحو ذلك .

ولقد بكى رسول الله A على ولده إبراهيم فقال: « القلب يوجع والعين تدمع ولا تقول ما يسخط الرب وإنى عليك يا إبراهيم لمحزون » وفى رواية: « القلب يجزع » أى يتألم وفى رواية: « يحزن » وقال: « إن الله لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، وإنما يعذب بهذا ويرحم » وإشار إلى لسانه .

وبكى على بعض ولد بناته وهو يجود بنفسه ، فقيل: يا رسول تبكى وقد نهيتنا عن البكاء! فقال: « ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أجمعين صوت عد الفرح وصوت عن الترح » وبكى الحسن على ولد أو غيره فقيل له في ذلك فقال: ما رأيت الله جعل الحزن على يعقوب عارا .

{ فهُو كَظيمٌ } أى مغموم مكروب ، لا يظهر كربه إلا ما ظهر منه غلبة وطبعا مملوءا هما على يوسف أو عليه وعلى من بقى بمصر ، وكظيم كما رأيت فعيل بمعنى مفعول كقوله: { وهو مكظوم } من كظم السقاء إذا شد فمه وقد ملئئ ، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل أى فهو كاظم لغيظه كاتم له ، قال قتادة: الكظيم الذى يرد حزنه في جوفه ولم يقل غلا خيرا ، وأصله كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه ، والكظم بفتح الطاء مخرج النفس .

وفى الحديث: أن يعقوب كبر وضعف حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فقيل: كان يرفعهما بخرقة ، فقال بعض جيرانه: لو عشت ونميت لم تبلغ من السن ما بلغ أبوك حتى هرمت ، فقال: من طول الزمان ، وكثرة الأحزان ، فأوحى الله إليه: تشكونى إلى خلقى ، فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفر لى ، قال: قد غفرت لك ، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: « إنما أشكوا بثى وحزنى إلى الله » .

وفى الحديث ، عن أنس قال أخر في الله ليعقوب: ما قوَّس ظهرك ، وأذهب بصرك؟ قال: أذهب بصرى البكاء على يوسف ، وقوس ظهرى الحزن على بنيامين ، فأوحى الله إليه أتشكونى . . . إلى آخر ما مر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت