فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 7680

واضطرب إيمانهم وامتحنهم الله تعالى بذلك ، فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، ومن ادعى أن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى واختصاصه بالتكليم . وقيل: إن الله سبحانه وتعالى أمر موسى أن يأتيه في ناس من بنى إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، واختار موسى من قومه سبعين رجلا من خيارهم ، وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا ، وخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه ، فقالوا لموسى: أطلب لنا أن نسمع كلام ربنا؟ قال: أفعل . فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشى الجبل كله فدخل موسى في الغمام . وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى دخلت تحت الغمام وخروا سجدًا ، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب ، وسمعوا الكلام لموسى يأمر وينهى ، وأسمعهم الله أنى أنا الله لا إله إلا أنا أجرتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى . فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، وروى أنهم قالوا أعنى السبعين: كنا أصحابك ولم نختلف ولم نصنع الذى صنع قومنا ، فأرنا الله جهرة كما رأيته أنت . ظنوا أنه رآه ، فقال لهم موسى: ما رأيته ولكن سالته أن أنظر إليه بالمجاهرة كما سألتم فتجلى للجبل فصار دكا ، وخررت صعقًا فلما أفقت سألت الله واعترفت بالخطيئة . فقالوا: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } وهذه الرواية تقتضى أن موسى بجير الرؤية قبل ذلك فنهاهم عن ذلك وحرمه ، أو سكت انتظارًا للوحى في ذلك ، فلما فرغ وخرج عاودوه ذكر ذلك . فقال لهم: قد سألته على لسانك كما تحبون لأخبركم بالجواب الذى يقمعكم لا لجواز الرؤية ، فتجلى للجبل بعض آياته فصار دكا فكفروا بطلب الرؤية لاستلزامها اللون والتركيب ، والتحيز والحدود والحلول ، والعجز عن الاستقلال ، وعما بعد عن الحل كل العجز أو بعضه ، والجهل به كل الجهل أو بعضه ، وذلك كله يستلزم الحدوث وذلك كله محال عن الله ، وإذا كان ذلك مستلزمًا عقلا لم يختلف دينًا وأخرى ، فالرؤية محل دنيا وأخرى ، ولا بالإيمان والكفر والنبوة وعدمها ، وكفروا أيضًا بتحريف كلام الله الذى سمعوه حينئذ ، كما قال الله سبحانهُ وتعالى لسيدنا محمد A والمسلمين فتطمعون أن يؤمنوا لكم ، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ، وقال الحسن: هو ما حرفوه من كتاب الله ، ونزل في قطع عذرهم بطلب الرؤية جهرة .

{ فأَخَذتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } : فإن هذه الفاء سببية أى أخذتكم الصاعقة بسبب طلبكم الرؤية جهرة أو بسبب هذا الطلب ، وسبب تأخير الإيمان إلى أن يحصل هذا المطلوب لا بسبب هذا التأخير فقط بدليل قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت