وقال الزركشى ومن تبعه: إن الناسخ هو المخالف ، لأن الانتقال من البراءة إلى اشتغال الذمة يقين ، والعود إلى الإباحة ثانيا شك ، ويبحث في ذلك بأن عود الموافق إلى الإباحة يقين ، وتأخر المخالف شك ، مع أن ما قالوه يستلزم عرو الموافق عن الفائدة ، وإن قلت: لا يلزم ذلك لجواز العكس ، فيكون الموافق هو السابق ، قلت: يكفى أن الظاهر هو سبق المخالف ، والنسخ يكفى فيه الظاهر ، بدليل أنه قيل بثبوت النسخ بخبر الإحاد ، ولا يدل التأخير في المصحف على المتأخر في النزول خلافًا لمن يستدل به ، نظرًا إلى أن الأصل موافقة الوضع للنزول . قالت الشافعية هذا غير لازم لجواز المخالفة ، إذ كم آية متقدمة الوضع متأخرة النزول ، وبالعكس . والتحقيق أنه إذا صير إلى النسخ ولا يد إذ لم يمكن الجمع فإن تبين المتأخر في النزول بدليل فهو الناسخ وإلا تمسكنا بالأصل وهو تقديم المتقدم في الوضع ، وتأخير المتأخر فيه ، ولا يؤثر تأخير إسلام الراوى في تأخير مرويه عما رواه متقدم الإسلام عليه ، خلاف لبعض إذ قال بتأثير ذلك نظرًا إلى أنه الظاهر ، قال المحلى قلنا لكنه على تقدير تسليمه غير لازم لجواز العكس ، ولا أثر لقول الراوى هذا ناسخ في ثبوت النسخ خلافًا لمن زعمه ، نظرًا إلى أنهُ لعدالته لا تقول لك إلا إذا ثبت عنده ، قلنا ثبوته عنده يجوز أن يكون باجتهاد لا يوافق عليه ، وإن قال الراوى فيما علم أنه منسوخ أن ناسخه كذا ولم يعلم خلافه جاز قوله للعلم بالمنسوخ بدون قوله لكن لم يعلم عين الناسخ إلا من قوله وضعف احتمال كونه عن اجتهاد ، بخلاف ما إذا أفاد أصل النسخ ، فإنه يقرب أن يكون عن اجتهاد ، وإذ قال هذا ناسخ لكذا أفادنا كلامه أن كذا منسوخ وكان كلامه موضوعًا لأفادة ذلك ، ولأفادة أن نسخه وقع بكذا فبطل اعتراض ابن القاسم بقوله: قد يقال حيث كان الغرض العلم بأنه منسوخ ، فينبغى أن يكون قوله هذا ناسخ لكذا ، كقوله فيما كان معلوم النسخ إن ناسخه كذا . والله أعلم .