فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 7680

انتهى .

قلت يبحث في كلامه بأن المشهور أن العمدة في خراب بيت المقدس هو بختنصر وجنوده ، لا النصارى ، وإنما النصارى أعانوه إعانة لما رأوه مشمرًا لذلك ، فإنما يحسن أن تنزل الآية فيمن هو العمدة لا فيمن هو تبع ، فإذا صرنا إلى التخصيص قلنا: إنها نزلت في بختنصر وجنوده ، ومن أعانهم من النصارى . وإلا فالأولى أن يقال: الآية نزلت في بختنصر وجنوده ومن أعانهم من النصارى ، وفى مشركى العرب وفى طوس الرومى وجنوده ، إذ خرب بيت المقدس ، وقتل وسبى وغنم ، بعدما عمره اليهود من تخريب بختنصر ، اللهم إلا أن يقال: نزلت في النصارى ولو كان العمدة بختنصر وجنوده توبيخًا لهم ، لأنهم أهل كتاب ، كما روى عن مجاهد: أنهم النصارى أعانوا بختنصر على خراب بيت المقدس ، ويبحث أيضًا في كون مشركى العرب ساعين في منع المسجد الحرام وخرابه أنهم منعوا منه أفضل الرسل وخاتمهم وأشياعه قبل الهجرة وبعدها ، فإن عمارتهم إياه غير عمارة لشركهم وأقدارهم ولو لم يمنعوه أو لم يؤذوه على عمارته إلا مرة كان سعيا في خرابه ، لأنه رسول خاتم الرسل والأنبياء ، ولأن منعه منع للأمة كلها ، ويبحث أيضًا بأن ما قبل هذه الآية ليس خاصًا بأهل الكتاب ، فإن العرب مذكورة بقوله D: { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم } وما بعدها ليس متعينًا في أهل الكتاب ، بل محتمل كما سترى . ورجح بعضهم أن الآية نزلت في مشركى العرب بأن النصارى يعظمون بيت المقدس أكثر من اليهود ، وكيف يسعون في خرابه وهو موضع حجهم ، ويبحث فيه بأن يقول صاحب هذا القول بأن الآية نزلت في النصارى الخاربين له لا فيمن يعظمه ، ففى رواية عن ابن عباس وغيره: أن المراد النصارى الذين يؤذون من يصلى في البيت المقدس . وصحح ابن العربى القول بأن المراد في الآية: كل من منع مسجدا من مساجد الله ، قال لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصه ببعض المساجد أو ببعض الأزمنة محال ، يعنى أنه ليس لنزول الآية سبب مخصوص كلفظها عام ونزولها عام ، ثم إذا بنينا على أنها نزلت لمانع ومسجد مخصوص كالنصارى وبيت المقدس كان ينبغى أن يراد بمن منع مساجد الله العموم لا خصوص أولئك النصارى مثلا . وإن قلت: كيف يصح أن يقال مساجد الله إذا أريد بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت: عبر بالعموم ليفيد الحكم العام ، وإن كان السبب خاصا ، كما تقول لمن آذى صالحًا: ما جزاء من يؤذى الصالحين؟ وكما قال تبارك وتعالى: { وَيْلٌ لِكلِّ هُمَزةٍ لُمَزة } مع أن الهاء من اللامز الذى نزلت فيه الآية على ما يأتى إن شاء الله الأخنس بن شريف .

{ أولئك ما كان لهم أن يَدْخلوها إلا خائفين } : الإشارة عائدة إلى مطلق المانعين المساجد ، الساعين في خرابها ، وهذا مما يدل على أن المراد بقوله: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } العموم ولو كان سبب النزول خاصا ، إذ لا يحسن أن يقال: ما كان لبختنصر وجنوده أن يدخلوا المساجد إلا خائفين ، نعم لا مانع من إرادة خصوص النصارى ومساجد الشام ، فإن منعهم من بيت المقدس منع من سائر مساجد الشام ، أو هم خربوا مساجد الشام كلها ، أو ما قدروا عليه فمنعوا من دخولها كما منعوا غيرهم ، ولكفرهم ، وكان بيت المقدس موضع حج النصارى وزيارتهم ، بعد ما خربه من خربه منهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت