وإن قلت: فكيف يخاطب المعدوم؟ قلت: خاطبه على هذا القول بكن . لأنه عنده تعالى معلوم ، فاللام في له هى لام الخطاب الآتية بعد القول ، كقولك قلت لزيد قم ، وهى للإبلاغ ، ويصح أن تكون للتعليل ، أى يقول لأجل الشئ الذى أراد حصوله كن ، أو بمعنى في ، أى يقول في شأنه كن . والفاء في قوله: ( فيكون ) للعطف على يقول كقولك أقول للجمل ائت فيأتى ، تعنى أنه يترتب إتيانه بلا مهلة على قوله ائت ويتسبب به ، أو للاستئناف ومجرد الفريع ، بمعنى فهو يكون . وقرأ ابن عامر فيكون بالنصب عطفًا لمصدر المنسبك بواسطة أن المصدرية المحذوفة على مصدر مقدر من يقول ، أى فإنما يحصل منه قوله للشئ كن فيكون من ذلك الشئ .
وقد تقرر جواز الرفع والنصب بعد جواب الشرط ، فإن كان جاز ما زاد جواز الجزم ، وأما النصب إذا نصب يقول كما في يس فبالعطف على لفظ يقول . قال أبو عمر والأندلوسى الدانى: قرأ ابن عامر فتكون بالنصب في البقرة كن فيكون ، وفى آل عرمان فيكون ويعلمه ، وفى النحل ومريمن ويس وغافر ، وتابعه الكسائى في النحل ويس فقط ، والباقون بالرفع ، وليس النصب عندى في جواب الأمر ، لأن حصوله لا يتسبب عن لفظ كن ، لأن المقصود به اللفظ كما هو شأن المحكيات بالقول ، وكن فيكون من الكون الذى يكتفى بالمرفوع ، وأصل القضاء إنفاذ الشئ والفراغ منه بالقول ، كقوله تعالى: { وقَضَى رَبُّكَ ألا تعبُدوا إلا إيَّاه } أو بالفعل كقوله سبحانه: { فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوات } واستعمل هنا بمعنى الإرادة لأن إرادة الله الشئ تستلزم وجوده استلزامًا خارجيًّا ، وإرادة المخلوق الشئ تستلزم وجوده استلزمًا بيانيًا ، فعبر باللازم وهو مسبب وأراد الملزوم وهو سبب ، فقضى مجاز مرسل تبعى ، هذا الذى ذكرته هو التحقيق وذكر بعض أن قضى هنا يجوز أن يكون بمعنى قدر ، وأن يكون بمعنى أمضى ، والأمر واحد الأمور ، كما تقول أمر من الأمور ، تعنى شيئًا من الأشياء ، وليس المراد أمرًا من الأوامر التى هى ضد المناهى ، والله سبحانه وتعالى قادر في الأزل بلا أول قبل وجود المقدورات وبعد وجودها ، وعالم بما سيكون في الأزل بلا أول ، ولا تقل أمر للمعدومات في الأزل بالوجود الأعلى معنى سيأمر بوجودها ، وتقول قضى بأنها ستوجد .