وقال قتادة: ( نعت الله أولياءه بأنهم تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان الرجيم .
وعن ابن عمر مثل ذلك قال: يدخل الشيطان في جوفهم ومر عمر برجل من أهل العراق ساقطًا فقال: ماله؟ فقيل: قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله فقال: إنا لنخشى الله وما نسقط .
وقال ابن سيرين: بيننا وبين هؤلاء أن يقعد أحدهم على حائط ويمد ويقرأ عليه القرآن كله فإن رمى بنفسه فهو صادق . وفي قوله القرآن كله تصديق لهم وتعريض بأنه ولو قرئ عليهم كله لما رمى بنفسه وذلك تغليظ على المرامين والمتضعين وأما من يغشى عليه لضعف قواه وقوة الوارد عليه فممدوح وكذا الكلام في الصحة .
{ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلّى ذِكْرِ اللهِ } قيل إذا ذكرت آيات الوعيد اقشعرت جلودهم وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وسكنت قلوبهم وعن بعض تلين جلودهم عند الرجاء وتقشعر عند الخوف وإنما ذكر الجلود وحدها في الخوف أولًا ثم قرن بها القلوب في الرجاء لأن الخشية محلها القلب وهى سبب الاقشعرار فكأن القلوب مذكرة وإذا ذكروا الله وأصل أموره وأولاها الرحمة زالت شدة الخوف بالرجاء بالقشعريرة باللين . قاله الزمخشري وقيل لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف لأن الخير مطلوب بالذات والخوف ليس بمطلوب فإذا كان الخوف اقشعر الجلد وإذا كان الرجاء اطمأن القلب ولان الجلد وإنما قال ( إلى ذكر الله ) ولم يذكر الرحمة لأنهم يلينون ويرجون بمجرد ذكر الله أي النطق به لأن أصل أمره الرحمة والرأفة والرحمة سبقت غضبه فإذا ذكر تبادرت رحمته ورأفته قبل كل شيء والمراد إلى ذكر رحمة الله فحذف المضاف وإنما عدي ( تلين ) ب ( إلى ) لانه ضمن معنى ما يتعدى بها كأنه قيل: ( اطمأنت إلى ذكر الله ) وقيل: ( إلى ) بمعنى لام التعليل أو بمعنى مع أو عند { ذَلِكَ } المذكور الذي هو أحسن الحديث { هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ } هدايته .
وقال الزمخشري: الاشارة إلى الكتاب ، وقيل يجوز أن تكون الى الاقشعرار أي ذلك أمارة هدى الله والهداية والإرشاد والتوفيق هنا أي يهدي من سبق علمه بسعادته إلى تلك الخشية ويستحب لتالي القرآن أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل آية وفهم حال يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغير ذلك ومتى تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه كما قال النبي A يكسوه من كل آية حال يناسب معنى تلك الآية وعن بعضهم الاقشعرار واللين بتأويل ما ذكر وسماها هدى لحصولهما به وهما أثره .
{ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } أي من موصل له في الطريق