فأُمِر المسلمون بأن يقولوا لهم قولوا آمنا بالله ، وصبغنا الله بالإيمان صبغة ، ولم نصبغ صبغتكم أيها النصارى ، فعبر عن الإيمان بالله بصبغة الله ، للمشاكلة لوقوعه في صحبة صبغة النصارى ، تقديرًا بهذه القرينة الحالية التى هى سبب النزول ، من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر ، وإن لم يذكر ذلك لفظا ، وهذا كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان ، تريد رجلا يصطنع إلى الكرام ويحسن إليهم ، فعبرعن الاصطناع بلفظ الغرس للمشاكلة بقرينة الحال ، وإن لم يكن له ذكر في المقال ، وأصل هذا للسكاكى والزمخشرى ، وكفى وجودًا للصبغة في أحد الفريقين اليهود والنصارى وهو فريق النصارى لأنها فيهما في الجملة ، ولو لم تكن في كل فريق منها ، ولا سيما أنهُ يجمعهما اسم أهل الكتاب ، وقيل المراد بصبغة الله الاختتان الذى أمر الله تعالى به ، لأنه بصبغ المختتن بالدم . قال ابن عباس: إن النصارى إذا ولد لأحدهم مولود وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر يسمونه ماء المعمودية ، وصبغوه به ليطهروه به مكان الختان ، فإذا فعلوا ذلك به قالوا: الآن صار نصرانيًا حقا . فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما تفعله النصارى .
{ ومَنْ أحْسنُ } : استفهام تقرير للمؤمنين ، ونفى أو توبيخ لليهود والنصارى ، ونفى أى لا أحد أحسن .
{ مِنَ الله صِبْغَة } : تمييز محول عن الفاعل معنى ، وعن المبتدأ والإضافة اصطلاحًا ، أى صبغة الله أحسن من كل صبغة ، ويجوز كونه محولا عن الفاعل صناعة ، على أن يؤخذ ذلك من مسألة الكحل ، أى لا ترون أحدا أحسن في حكمة الصبغة منه في حكم الله ، وتطهير الله المؤمنين من اوساخ الكفر لا تساويه صبغة ، ودينه لا يساويه شئ يصبغ به في زينة الدنيا ولا في أمر الآخرة .
{ ونَحْن لهُ عابِدُون } : لا نعبد غيره ، ولا نشرك به شيئا ، كما تشركون أنتم معشر اليهود والنصارى ، فهذه الجملة تعريض بشركهم ، كما إذا حضر من يترك الصلاة فقلت تعييرًا له أنا لا أترك الصلاة ، وهى معطوفة على جملة آمنا ، فهى من مقول قالوا المتسلط على آمنا ، وإن قلت إذا عطفت على جملة آمنا ، فكيف يصح جعل صبغة بدل ملة أو منصوبا على الإغراء ، مع ما فيه من فلت أجزاء الكلام بأجنبى ، وهو صبغة مبدل مما قبل قالوا: وهو ملة أو النصب بفعل مستقل مقدر على الإغراء؟ قلت إنما صح نصب صبغة على الإبدال من ملة أو على الإغراء من جهة تقدير القول قبل قوله: { نحن له عابدون } ، ويعطف هذا القول على ناصب ملة مقدرن أى اتبعوا أو الزموا ملة إبراهيم .