{ وإذْ أخذَ الله مِيثاقَ الَّذين أوتوا الكِتابَ لتبيننه للناس ولا تكتمونه } إلى آخر الآيتين . وإظهار علم الدين فرض كفاية عندنا وعند جمهور الأمة ، وقيل فرض عين ليشهر الإسلام ، ويتمكن في قلوب الناس ، وصحح بعض الشافعية أنه إذا ظهر للبعض بحيث يتمكن كل واحد من الوصول غليه ، لم يكن مكتوما يعنى ما لم تر البدع ، وإلا وجب نشره ، وقيل متى سئل عن شئ من أمر الدين وجب عليه إظهاره وإلا فلا يعنى ما لم ير البدع ، ويعنى سؤال استرشاد ، وكان أبو بكر وعمر لا يحدثان ، رضى الله عنهما ، بكل ما سمعا من النبى ، A ، وإنما يحدثان عند الحاجة وكان الزبير أقلهم حديثًا . وقال ابن العربى: أما من سئل فقد وجب عليهِ التبليغ لهذه الآية ، وأما إن لم يسأل فلا يلزم التبليغ إلا في القرآن وحده ، وعنه A: « نظر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها كما سمعها » ومعنى نظر: رحم . وهو بالظاء المشالة . وإن كان بالضاد المعجمة غير المشالة فمعناه أضاءه ونعمه وصيره جميلا ، وتشدد الضاد على هذا فيكون من معنى قوله تعالى: { وجوهٌ يومئذٍ ناضِرة } ثم رأيت بالضاد المعجمة المشددة ، وأنهُ روى بالتشديد وهو الكثير ، وبالتخفيف ، ورجح بعضهم كالروبانى من الشافعية ، رواه النووى بالتشديد ، وفى رواية أنظر الله بالهمزة ، وحكى ابن العربى عن ابن بشكوال وهما معا من الأندلس أنه بالصاد المهملة ، وهى خفيفة وهو شاذ ، والمشهور الصحيح أنه بالضاد المعجمة ، وهو من رواية الترمذى عن ابن مسعود ، قوال حسن صحيح ، ورواه ابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، عن جبير بن مطعم ، وقال صحيح على شرط البخارى ومسلم ، وراوه أبو داود وابن ماجة والترمذى عن زيد بن ثابت ، وقال حسن ، وفى رواية صحيحة: « نضر الله أمرأ سمع منا حديثا فأداه عنا كما شمعه فرب مبلّغ ( أى بفتح اللام ) أوعى من سامع » . وفى رواية أخرى صحيحة أيضًا: « نضر الله رجلا سمع منا كلمة فبلغها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع » وقيل معنى النضرة في الحديث تحسين وجهه في الخلق ، أى جعله فيهم ذا وجاهة ، وجاه وقدر وهو بعيد .
{ ويلْعنُهم } : يدعو عليهم بالسوء وبأن يلعنهم الله .
{ اللاعنون } : المتأهلون للعن ، وهم الملائكة ومؤمنوا الإنس والجنس ، قيل الملائكة والإنس كلهم ، والجن كلهم ، وقيل الجن والإنس . وقال قتادة والربيع: هم الملائكة والمؤمنون ، فيحتمل أنهما أرادا مؤمنى الإنس والجن ، كما فسرت به ويحتمل أن يريدا مؤمنى الإنس . والأول أولى ، لأن الجن مكلفون كما نحن ، وفيهم مؤمنون كذلك ، وعن ابن عباس: هم الخلائق كلها إلا الجن والإنس ، وذلك أن البهائم تقول منعنا القطر بمعاصى بنى آدم ، وقيل الحشرات والبهائم ، وهذان القولان لا يقتضيهما اللفظ ، لأن جمع المذكر السالم للعقلاءِ ، وقيل دواب الأرض وفيه ذلك الإشكال ، وقيل كل ذى روح فغلب العاقل ، وأراد ابن عباس: الخلائق الظاهر ، فالملائكة مستثنون كما استثنى الإنس والجن ، وذكر بعض قومنا ما تلا عن اثنان من المسلمين إلا رجعت إلى اليهود والنصارى الذين كتموا صفة محمد A ، ولا يصح هذا ، بل ترجع إلى اللاعن إن لم يستحقها الملعون ، وإن قلت كيف يصح أن يلعنهم الجن والإنس كلهم؟ قلت: أما المؤمن فيلعنه بلسانهِ وقلبه ويلعنهم جسده ، وأما الكافر فيلعنهم جسده ، وقد يلعن الظالم أو ذا صفة فيدخلهم لعنة صاحب تلك الصفة على الملعون .