{ ولا يُكلِّمهُم اللهُ يَومَ القيامة } : هذا عندى من المجاز المركب غير الاستعارى كقوله .
هواى مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثمانى بمكة موثق
فإن هذه الجملة معناها بحسب الوضع انتفاء الكلام من الله سبحانه إليهم يوم القيامة ، واستعملت هنا في معنى غير ذلك ، وهو أنه غضبان عليهم عدو لهم محرومون مما للمؤمنين من الكرامة ، ولا شئ أعظم عليهم من أن يروا المؤمنين في خير دونهم ، ويدل ذلك ما ثبت من أنه يسألهم ، وأنه يقول لهم: اخسئوا فيها إلى غير ذلك ، فلم يكن نفى الكلام هنا حقيقة ، ولك أن تقول هذه الجملة كناية عن الغضب والحرمان ، والكناية لا يمنع فيها إرادة المعنى الحقيقى ، فيكون المعنى على إرادته مع لازمه أنه غضبان عليهم يحرمهم ولا يكلمهم في بعض المواضع ، ولو كان يكلمهم في بعض ، أو لا يكلمهم كلام خير ، وإن أريد لازمه فقط ، كان المعنى أنه غضبان يحرمهم ويكلمهم في بعض كلام سوء أو حساب ، وهذا تقول لا رماد له أصلا ، أو له قليل ، فلأن كثير الرماد تريد أنه جواد ، ويجوز أن يكون { لا يكلمهم } مجازا مرسلا مرادا به الغضب والحرمان ، لأنهما سبب لعدم الكلام في الجملة ملزومان له ، ويجوز أن يكون لا كناية هناك ولا مجاز ، بل حقيقة ، والمعنى لا يكلمهم في بعض المواضع أو لا يكلمهم بخير ، بل بسوء وتوبيخ . قال الطبرى: لا يكلمهم بما يحبون ، أو لا يرسل الله ، جل وعلا ، إليهم السلام مع الملائكة .
{ ولا يُزكِّيهم } : لا يطهرهم من ذنوبهم ، بل يلقيهم في النار بسببها ، أو لا يثنى عليهم بل يذكرهم بسوء على رءوس الخلائق وبما لا شئ أحب إليهم من ستره ، أو لا يسميهم أزكياء كما تقول زكاة ، تريد سماه زاكيًا وفسقه أى سماه فاسقًا . وقد أوضحت هذا المعنى في شرح اللامية .
{ ولهُم عَذابٌ أليمٌ } : عذاب مؤلم وهو عذاب النار يصل وجعه قلوبهم .