قال الله تعالى: { إنَّ الَّذِينَ أجْرَموا كانْوا مِنَ الَّذِينَ آمنَوُا يُضْحَكُون } وقال: { فاليْومَ الذينَ آمنَوُا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكْون } ويجوز أن يكون المعنى نعيم الذين اتقوا في الآخرة فوق نعيم الكفار في الدنيا ، والفوقية حقيقة في الوجه الأول مجازية في غيره ، متعلق بما تعلق به فوق من نحو ثابتون ، أو ثبتوا ، ومن أراد ذلك الخير فليقتد برسول الله A في رفض الدنيا وجاهها ومالها وملاذها ، واقتصاره منها لنفسه وعياله على ما تدعو الضرورة إليه ، فهو يشتمل ويكتسى بالخشن ، وقد أجيبت إليه الأخماس ، وأهدت إيله الملوك وأغنى بذلك غيره وقوى به المسلمين ، ومات A ودرعه مرهونة في نفقة عياله .
قال حارثة بن وهب: سمعت رسول الله A يقول: « ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ جعظرى مستكبر » العتل: الفظ الغليظ الشديد في الخصومة الذى لا ينقاد لخير ، والجواظ: الفاجر المختال في مشيه ، وقيل القصير البطن ، والجعظرى: من يمتدح بما ليس فيه ، أو عنده . وعن أسامة بن زيد ، عن النبى A: « قمت على باب الجنة فاذا عامة من دخلها المساكين وأصحاب الْجَدُ محبوسون ، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار ، وأقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء » والجد - بفتح الجيم - كثرة المال .
{ وَالله يْرزُقُ مَنْ يِشاءُ بِغَير حِسابٍ } : بغير تضييق في الرزق ، كما يحاسب صاحبه من يضايق عليه في أمر ، والمراد والله أعلم أن يوسع على المؤمنين بالجنة في الآخرة ، وبأن يورثهم أموال الكفار الذين يسخرون منهم في الدنيا ، ويملكهم أيضًا رقابهم بالأسر والفداء والاستعباد ، ويجوز أن يريد أنه يوسع الرزق على من يشاء من الكفار استدراجًا وجزاءً في الدنيا على ما عملوا ، من نحو صلة الرحم وإغاثة الملهوف ، وعلى من يشاء من المؤمنين لطفًا ورحمة بهم ، ويجوز أن يريد الكفار ، لأنهم فاخروا بأموالهم ، فأخبرنا الله أنه يرزق من يشاء من الكفار رزقًا واسعًا ، وذلك استدراج ، ولو كان المال كرامة لأعطاه المؤمنين خاصة ، ولم يعطه قارون المخسوف به وبماله ، وليس توسيع الرزق ينقص مما عند الله ، كما ينقص ما في يد العباد المتحاسبين ولا يخلو مخلوق من حساب فيما يعطى ، ولو فاق جوده جود خاتم ، وعن ابن عباس معناه: يعطيه كثيرًا وما يدخله الحساب قليل ، وذلك في الدنيا ، وقيل بغير أن يحاسبه في الآخرة بما أعطاه في الدنيا ، وقيل من حيث لا يحتسب وقيل من غر أن نفرق بين المستحق وغيره ، وقيل بدون حساب من يخلف النفاد ، لأن خزائنه لا تنفد ، وقيل من غير أن يحاسبه أحد لم أعطيت هذا وحرمت ذاك ، ولم أعطيت هذا ما لا يحتاج إليه وحرمت ذاك ما يحتاج ، وقيل يعطيهم في الجنة قدر أعمالهم ثم يتفضل ، والتفضل هو الذى بغير حساب ، إذ لم يعتبر فيه ما في أجر العمل مما يستحق العمل .