{ وآتَيْنَا عيِيسَى ابْنَ مَرْيمَ البيِّناتِ } : خصه بالذكر لإفراط اليهود فيه ، إذا نفوا رسالته ورموه بالكذب ، وإفراط النصارى في تعظيمه إذ قالوا إنه إله أوابن إله على خلافهم الفاسدن فبين الله أنهُ من الرسل ، ولهُ بينات لا غير رسول ولا إله ، أو ابن تالله ، وجعل معجزاته سبب تفضيله على من فضل كإحثاء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وخلق الطير من الطين بإن الله .
{ وأيَّدنَاهُ بِرُوحِ القُدُس } : قويناه جبريل كان معه يسير حيث سار ، حتى رفع في السماء السابعة ، ومر الكلام فيها ، وقيل: خص موسى وعيسى بالذكر ، لأن آيآتهما محسات تظهر للحاذق والأبله ، ومع ذلك فما أوتى نبى بمعجزة إلا وقد أوتى سيدنا محد A بها أو بمثلهلا ، وما أوتى به أقوى وأبقى ، وكان شرعه خاتما وناسخا لما قبله مما يدخلهُ النسخ غير منسوخ ، وكان شرعه أخذ الجزية إلى نزول عيسى ، وبعده القتل إلى قيام لاساعة ، وكان قوم موسى مغرمين بالسحر ، وهانت معجزاته طبقها: كقلب العصى وبياض اليد وقوم عيسى بالطب ، فكانت معجزته طبقا كإحياء الموتى وابراء الأكمه وأهل عصر محمد A بالفصاحة والبلاغة ، فتحداهم بالقرآن فصاحة وبلاغه .
{ ولوْ شاءَ اللّهُ } : أن يهدى الناس جميعا ، أو ألا يقتلوا كفرًا .
{ ما اقْتَتَل الَّذينَ مِنْ بعدِهِمْ } : أى من بعد الرسل وهم اسمهم .
{ مِنْ بعْدِ ما جاءتهم البَيناتُ } : لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضًا ، لو شاء الله فساد الأرض ما أقتتل المسلمون مع الكفار ، فيكون كقوله { ولولا دفع الله الناس } ، والآية دليل على إن الله شاء كفر الكافر وأراه وليس كذلك حبا ، بل قضاء ، فأخطأت المعتزلة إذ قالوا: لا يشاء الله الشرور ، فقالوا: قد يقع ما لا يشاء الله وهو عصبان العاص ، ويشاء ما لم يقع كإيمان الكافر ، وطاعة العاصى ، فدعاهم ذلك إلى تفسير المشيئة بالقهر .
{ ولكنِ اخْتَلفُوا فمنِهم مَّنْ آمَنَ } : بالبيات لتوفيق الله إياه فضلا .
{ مِنْهُم مَّنْ كَفَر } : بها لإعراضه عنه بخذلانه كالنصارى ، لم يبق شئ إلا كفروا به فكفرهم بعسى جعلهم أياه إلها أو ابن الله ، وكفرهم بالبعث قولهم إنما تبعث الأرواح .
{ وَلوْ شاءَ اللّهُ ما اقتتلُوا } : بأن يؤمنوا كلهم ، فلا يكون قتال على كفر ، وكرر هذا للتأكيد .
{ ولكنَّ الله يْفْعلُ ما يُريدُ } : مِن توفيق هذا فضلا ، وخذلان ذاك عدلا ، وحديث على وغيره في القضاء بسطته في شرح النيل ، وحاصله: أنهُ لا جبر هناك ، والله خالق للفعل ، والبعد كاسب ، وكسبه باختياره ، وبخلق الله . وسأل رجل عليا عن القدر فقال: يا أمير المؤمنين خبرنى عن القدر؟ فقال: طريق مظلم فلا تسلكه ، فأعاد السؤال فقال: بحر عميق فلا تلحقه ، فأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفى عليك فلا تفشه .