وعن عقبة بن أوسى ، عن رجل من أصحاب النبى A أنه خطب النبى A يوم الفتح فقال: « ألا وان قتيل العمد بالسوط والحجر مائة من الابل منها أربعون ثنية الى بازل عامها كلهن خلفه » أى كل الأربعين ولم تذكر الدية هنا ، والعتق هنا ، فانهما لابد منهما ان لم يقتل تغليظا عليه ، كأنه لا ينفعه ذلك ، وقد ذكر الدية والقصاص في البقرة .
{ فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا } : أبدا .
{ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ } : أى علم مصيره نار جهنم أو لم يكن عنده مرضيا مقبول العمل ، ولم أفسره بالعذاب لذكره بعد وذكر جهنم قبل .
{ وَلَعَنَهُ } : أبعده عن الجنة والسعادة .
{ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } : في قبره ومحشره ، وفى جهنم قال A: « لزوال الدينا أهون على الله من قتل أمرىء مسلم » ، وقال A: « لو أن رجلا قتل بالمشرق والآخر راض في المغرب لأشرك في دمه » وقال A: « أن هذا الانسان بنيان الله ملعون من هم بنيانه » وقال: « من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله » وقال: « لو أن أهل السموات والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار جميعا » وذلك كله مقيد بعدم التوبة .
فان تاب قبلت توبته ، ولو صادف بعمده من هو سعيد عند الله لقوله تعالى: { ولا يقتلون النفس التى حرم الله } الى قوله: { الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبد الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } وقوله تعالى: { وانى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } وقوله تعالى: { ان الله يغفر الذنوب جميعا } ولا سيما أنها نزلت في قتل حمزة رضى الله عنه ، وقد كان حكمه أن يكون كحكم من نص الله على سعادته .
وقد روى عن ابن عباس أنه: من تعمد قتل مؤمن وتاب قبلت توبته ، ويدل على قبولها ما روى أن رجلا قتل عمدا فأتى رسول الله A فسأله فشدد عليه ، ثم قال له: « هل أحد من والديك حى؟ » قال: نعم أمى ، قال: « ويلك برها واحملها » رواه ابن عباس فقال: فان دخل الأبعد النار فأبعد الله من أبعده فانظر كيف جعل له رسول الله A المخرج طاعة أمه وبرها ، ولو كان لا توبة له لم يجعل ذلك له .
ولعلم ذلك تمثيل لأن يقصد خطاب قبول التوبة ، وانظر الى قول ابن عباس: فان دخل النار فجاء ، بصيغة الشك ، فلو كان للنار جزما ولا تقبل توتبه لم يقل ، فان دخل النار ، وانما شدد رسول الله A أولا عليه لعظم قتل المؤمنن وللمبالغة في الزجر ، وبيان صعوبة المخرج ، ثم بين بعد أن له توبة ، وكأنه يقول: يعسر توفيقه للتوبة النصوح ، وليس يقنط ، ولعل التلويح الى تعسر توبته وصحتها هو حكمه عدم التقيد بعدم التوبة في تلاوة الآية ، مع أن القيد مراد أن شاء الله .