قلت: مثل هذا الارتفاع لا يظهر فيه من حرارة الشمس ما يشوى الحوت ألا ترى أنك لو كنت في أخفض موضع ، ثم كنت في أرفعه لم يظهر لك زيادة الحرارة ، ولو حصل مطلق الزيادة في نفس الأمر زيادة الا يتفطن الا بتدقيق ، ألا أن يقال: إن تلك الطبقة التى يصلها عوج تظهر فيها حرارة عظيمة منعها الله من وصولها الينا بما شاء من برد وريح .
وقال عوج لنوح عليه السلام: احملنى اليكم في السفينة ، فقال له: اذهب يا عدو الله فانى لم أومر بذلك ، وعلا الماء على الجبال ، وما جاوز ركبتى عوج ، وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله في زمان موسى عليه السلام ، وكان لموسى عليه السلام في فرسخ ، فجاء عوج حتى نظر اليه ، ثم جاء الى الجبل وقور منه صخرة على قدر العسكر ، ثم حملها ليطبقها عليهم ، فبعث الله الهدهد فنقبها فوقعت في عنق عوج كالطوق ، فصرعته فوثب موسى عشرة أذرع ، وطوله عشرة أذرع ، وطول عصاه عشرة أذرعن فضربه بها ، فما أصابت الا كعبه ، وقيل: طوله سبع ، وطول عصاه سبع ، ووثب سبعًا ، فأقبلت جماعة كثيرة فحزوا رأسه بالخناجر .
قيل كان طول سريره ثمانمائة ذراع ، وليست قصة عوج تعجبنى اذ رأيتها ، ومما خلطوا به أنه لما قتل وقع على نيل مصر فحبسه سنة ، وأين نيل مصر من أرض الكنعانيين ، قالوا: وكانت أمه عناق بن آدم عليه السلام من صلبه ، وأن أول من بغى على وجه الأرض وهو ولد زنى ، قيلك وأصغر أصابعها ثلاثة أذرع ، وفى كل أصبع ظفران ، وموضع مجلسها جريبًا من الأرض بعث الله اليها أسودًا كالفيلة ، وذبابًا كالابل ، ونمورًا كالحمير ، فقتلها وأكلتها .
ولما رجع النقباء قال بعضهم لبعض: يا قوم انكم ان أخبرتم بنى اسرائيل خبر القوم فشلوا وارتدوا عن بنى الله ، ولكن اكتموا شأنهم وأخبروا موسى وهارون فيروةا فيهم رأيهم ، فأخذ بعضهم من بعض الميثاق على ذلك ، وجاءوا بحبة عنب الى موسى عليه السلام من عنبهم وقرر رجل ، وأخبروه بما رأوا فأخبر كل واحد قومه عن قتالهم ، وأخبرهم بحال ما رأوا الا يوشع بن نون ، وكالب بن يوقنا ، ولما سمعوا ذلك رفعوا أصواتهما بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا بمصر ، وياليتنا متنا في هذه البرية ، ولا يدخلنا الله أرضهم ، فتكون أولادنا ونساؤنا وأثقالنا غنيمة لهم ، وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف الى مصر ، كما قال الله جل وعلا: { قالوا يا موسى ان فيها قومًا جبارين } الآيات .
وانما أمر الله موسى عليه السلام بقتال الكنعانيين بعد اغراق فرعون ، وقيل: بعد ما أغرق رجع موسى وبنوا اسرائيل الى مصر ، واستقروا فيهان فأمر بالخروج منه اليهم لعامرة الشام ، وقيل: لم يرجعوا اليها بعد اغراقه ، ولما اضطربوا قال لهم موسى: ان الله سيفتح لكم كما أغرق فرعون ، وخرق لكم البحر ، ولم يقبلوا عنه وهموا بالانصراف الى مصر .