فهرس الكتاب

الصفحة 2713 من 7680

فركب الأعرابى قعوده ، ووصل كنعان ليلا ، ففرح ألهله وحط رحله ، فقالوا له: انزل ، فقال: لا والله لا رأيت أحدا منكم ، ولا عملت عملا حتى أؤدى رسالة المغموم إلى المكظوم ، فأتى البيت ينتظر الوقت ، فلما سمع حركته وبكاءه ، رفع صوته ونادى: السلام عليك أيها المكظوم ، يقرأ عليك السلام المهموم المغموم .

لوما سمعت زينة ذلك قالت: مه يا هذا ، فإنى أخشى أن ينفطر قلبه ، فإن كنت حملت رسالة فأدها إلىَّ أؤدها إليه في وقت غير هذا ، قال: والله لا أؤديها إلا لمن أرسلت إليه ، وكانت أختا ليوسف من أبيه ، وقد بنت بحذاء بيت يعقوب بيتا ، وحلفت لا تضحك حتى تراه يضحكن فتقدمت إلى الباب ونادت: السلام عليك يا أبت ، فقال: وعليك السلام يا بنيتى ما الذى جاء بك في هذا الوقت؟ قالت: البشارة ، قال: أما الملا فلا حاجة لى إليه ، وأما الأولاد فلا سبيل لى غليهم ولا حاجة ، قالت: بل البسارة بقرة عينك ، وحبيب قلبك ، قال: يوسف؟ قالت: ينعم ، فقام يخرج يسقط ويقوم يبادر الباب ، فوصل الباب وصعق كأنه ميت ، ولما أفاق أدى الأعرابى الرسالة على نحو ما تقدم .

فقال له يعقوب: صفه لى يا أعرابى ، فوصفه كما هو ، ولم يذكر الخال الذى على خده ، وقال: ولِمَ لم تذكره؟ قال: قال لى: إن سألك عنه فقل محنه كثرة البكاء ، فقال: وأنا أيضا ذهبت عيناى لكثرة البكاء عليه ، ثم قال: يا أرابى لا أجد ما أكافئك بهن فهل أبصرته بعينك؟ قال: نعم ، قال: فقدمهما إلى أقبلهما ، وقبلهما وقال: لا تأكل النار عينا رأته ، سل ما شئت من أمر الدنيا والآخرة أجمعهما غليك ، قال: يا نبى الله سل الله أن يهين على سكرات الموت ، وأن يجعلنى رفيقك في الجنة ، وأن يكثر مالى وولدى ، فإن بنى عمرى يعايروننى بالفقر .

فرفع يعقوب يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كنت رحمت لى عبرة ، وأجبت لى دعوة ، فاجعل هذا الأعرابى رفيقة في الجنة ، وهوِّن عليه سكرات الموت ، وكثر ماله وولده .

ولما تم ما قضى ا لله أن يلبث يوسف في السجن سجدت وقال في سجوده إلهى خلصنى من السجن ، فكان يدعو والملك يرى ما ذكره الله D من أمر البقرات والسنبلات ، وكانت رؤيا سبب لخروج يوسف من السجن .

وروى أن الله جل جلاله أرسل جبريل إلى يوسف على هيئة جميلة ، ووقف على باب بيته وسلم عليه ، فرد يوسف السلام ، وجعل ينظر إليه وتعجب من حسنه ، وأنكر أن يكون مثله في السجن ، فقال: هل تعرفنى أيها الصديق؟ قال: يوسف صوت شيخ ، وريح طيب لا يشبه ريح الخاطئين فمن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أخوك جبريل ، قال: كيف أنت يا أطيب الطيبين ، ورأس المقربين؟ فقال له: أبشر فقد جعلك الله رأس لاصديقين ، وعك مع آبائك المخلصين ، وأوجب لك جزاء الصابرين ، لأنه لم يغيرك ما جرى عليك عن أمر الله ولم تطأ فراش سيدك في طاعة ربك ، وأن الله سبحانه يقرئك السلام ويقول: كيف حالك وهو أعلم بحالك منك؟ فاقل: لربى الحمد على كل حال ، وهل لك علم بأبى؟ قال: وهبه الله تعالى الصبر الجميل ، وقد عدل حزنه حزن مائة ثكلى ، وصبره ما استجب به أجر مائة شهيد ، لأن الله جل جلاله كتم أمرك عليه ، ولم يدر أحى فيرجوك ، أو ميت فيتحسبك ، وذلك ليعظم أجره ، وهذا هو الوقت الذى يظهرك فيه الله ، ويجعلك لك اليد العليا على إخوتك وغيرهم ، ويصدق رؤياك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت