فهرس الكتاب

الصفحة 2742 من 7680

وكان حمل البعير بألف دينار ومائتى دينار ، والتفت لابنه ميشا وقال له: اشدد وسطك بالمنطقة الملكية واخدمهم ، قال: ومن هم يا أبت؟ قال هم أعمامك يا بنى ، قال: هم الذين باعوك؟ قال: نعم باعونى حتى صرت ملك مصر ، ما تقول يا بنى أحسنوا أم أساءوا فيما عملوا ، قال له: يا أبت بل أحسنوا والله فيما عملوا ، فماذا أقول لهم؟ قال: لا تكلمهم ، ولا تفش ذلك لهم حتى يأنذ الله تعالى لنا ، فبكى ميشا وبكت زليخا حين أخبرهما أنهم إخوته ، ولم يأذن لهم بالدخول بعد لاشتغاله ، تشوشت خواطرهم .

وفى رواية أنهم عالمون بنظره إليهم ، وتشوشت خواطرهم من كثرة نظره إليهم ، فقال يهودا: يا إخوتاه إن هذا الملك يكثر النظر إلينا ، ويكرنا غاية الإكرام ، فإما أن يكون أعجبته أجسامنا فأراد الاستعانة بنا على عدوه ، وسد ثغر من ثغوره ، وإما أن يكون فعل ذلك غبطة لآبائنا وأنسابنا ، أو بلغة ما فعلنا بيوسف ، فأراد أن يفضحنا ويدمر علينا ، وهذا هو المصرع الذى أخوفكم ، أو رحمكم لفقركم ، ويوسف يسمع ما يقول ويبكى .

ورى وأنهم يعدون عليه ويروحون وهم في كرامة متصلة ، ويظهر لهم التجهم فتحيروا من جمعه بين التجهم والإكرام ، ولكما أرادوا مفاجأته بالكلام داخلهم الهبة والخجل ، ثم أذن لهم يوما ف الجلوس إليه ، وأكرم مجلسهم ، وسألهم بترجمان ، وكان كلما له الترجمان بما قالوا نقر الصواع فيقول: إن الصواع يخبرنى بصدقهم ، فيخبرهم الترجمان بذلك ، وكان سؤاله عن نسبهم وأسمائهم ومقصودهم وبلدهم .

وقد ثبت في الحديث: كان يوسف يلقى حصاة في إناء مخوص بالذهب فيطن ، ورى أيضا أنه قال: إنه طن ، وقال يوسف: إنه يخبرنى أن لكم أبًا شيخًا كبيرًا ، وقال: هل لوالدكم سواكم؟ قالوا: نعم كان له ولد اسمه يوسف فقده ولا ندرى كيف خبره ، وأخ شقيق ليوسف حبسه عنده يأنس به ، فنقر الصوع فخرج طنين عال فقال لترجمانه: قل لهم: إن الصواع يخبرنى أنكم كاذبون في خبر هذا الواحد المفقود ، إذ قلتم لا ندرى كيف خبره ، فتغيرت ألوانهم ، وتجلجلت ألسنتهم ، وارتعد فرائصهم .

ثم قال: كيف كان سبب فقده ، حتى لم يعلم حقيقة أمره؟ فقال واحد: أكله الذئب ، وقال آخر: أسره العدو ، وقال آخر: غرق في البحر ، فهز يوسف رأسه ونظر إلى الأرض ، ثم رفع رأسه وقال: ما حال والده بعده؟ قال: هو باكى العين ، قريح القلب ، حليف الأسى ، لا يستلذ بهجوعه ، ولا يشرب إلا ماء دموعه ، قد اعتزل عن الناس ، وهجر الخدين ، واتخذ لنفسه غارا تحت الأرض ، ودخل فيه وبكى حتى ابيضت عيناه ، وليس له ليل ولا نهار ، ولا نوم ولا قرار ، فتقلقل يوسف تقلقل الواجد ، سماع أخبار الوالد .

فتقر الصواع فقال للترجمان: قل لهم ما ذكرتم من أنكم أنبياء وألواد أنبياء ، فإنى لا أرى عليكم أسرة إنما أنتم لصوص أو جواسيس لأحد الملوك المجاورين ، إنما بعثكم لتطلعوا على عوراتنا ، فإذا رجعتم جئتم بأمثالكم من أهل القوة والندة تقاتلوننا ، ومراد التشبيه لهم بمن ذكر ، أو ذلك قول بعضهم: أنه لم يعرفهم حتى عرفوه بأنفسهم - وإن قوله هذا إنما هو قبل تعرفهم له أو ذلك منه بمنزلة قولك لمن عرفته ،: إنه غير فلان لعلك فلان ، وما لدليل على أنك غيره ، تريد مباحثته ، وأن يستدل لك - إنما نحن رعاة إبل وشاء ، قال لا أسرحكم من سجنى حتى أعلم خبركم ، فإن الصواع يخبرنى عنكم بأمور ، فأظهروا الخضوع ، وسكبوا الدموع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت