وقالوا: نسألك أيها الملك بالذى بلغك هذه المنزلة ، وأكرمك إلا رحمتنا وسرحتنا إلى أبينا ، فإنه اليوم أعظم حقا عليك ، وعلى أهل الأرض ، وإن لم ترحمنا فارحم الشيخ يعقوب ، فلو رأيته لأبكاك ، قد احدودب ظهره ، وابيضت عيناه ، وكابده النوهن والشيب قبل أوانه ، وقد توسلنا إليك به فلا تضيع وسيلتنا ، ولا تخيب ظنوننا فيك .
فقال: أما ما ذكرتم من حرمة أبيكم فإنى لا أعلم اليوم أحدا على وجه الأرض أعظم حرمة منه ، ولا أعلى قدرا ، ولا أوجب حقا فلو مشى على ظهرى مقبلا ومدبرا ما قضيت حقه ، ولا أنكرت سبقه ، فأخبرونى ما أحزنه وهو نبى ، أليست الجنة بين عينيه يرجوها ، وقد أمنه الله في عاقبته ، ولعله كثر سفهكم عليه وعقوقكم؟ قالوا: كلنا لسنا سفهاء ولا عاقين ، إنما ذلك من فقد أنيسه وحبيبه يوسف ، وكان أصغرنا وأحبنا إليه ، خرج إلى المرعى معنا فأكله الذئب ، وقد حبس أصغرنا بعده يستأنس به وهو أحبنا إليه بعد يوسف .
فقال: كيف يحب الصغير دون الكبير؟ فقالوا: أيها العزيز لو رأيته لاخترته على جميع العالمين ، وكنا نحبه ، ورأى رؤيا نكرها فكرهناه ، فقال: ما هى؟ قالوا: ظن أنه يكون ملكا ونحن بين يديه كالعبد ، قال: فهل وصل إلى الملك؟ كل واحد منهم: بل وصل إلى مُلْك الجنة ، وأما مُلْك الدنيا فما وصل إليه ، قال: لولا أنى أخشى أن تكونواصادقين لحبستكم وعذبتكم عذابا شديدا ، ولكن إن صدقتم فارجعوا إلى أبيكم وأقرءوه منى السلام ، وقولوا له: يكتب إلى كتاب يشرح فيه حاله ، ويخبرنى ما الذى أحزنه وأعمى بصره ، وأنا أوقر لكم دوابكم ودابة الذى تخلف مع أبيكم وهو أصغركم فيما تقولون ، وإذا بلغتم فأتونى به كما قال الله D: