قال بعض العاينين: إذا رأيت شيئا يعجبنى وجدت حرارة تخرج من عينى ، ويقرب من ذلك أن المرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسده ، ولو وضعته بعد طهر لم يفسد ، وأن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد ، قلنا: إن كان هذا المنبعث عند القابل عرضا رد بأن العرض لا يقبل الانتقال ، لأنه لا يستقل بنفسه ، قيل: وإن كان جوهرا رد بأن الجواهر متجانسة ، فليس بعضها أولى بأن يكون مفسد البعض من عكسه ، وللعين علاج بأشياء من الطب .
وأنشاء من الأدعية منها ما كان A يعيذ الحسن والحسين به: « أعيذكما بكلمات الله من كل هامة ، ومن كل عين لامه » الهامة مفرد الهوام ، وهو كل ذى سم يقتل كالحية وما يسم ، ولا يقتل فهو السام ، والجميع سوام كالزنبور والعقرب ، قد تقتل ، وقد يطلق لفظ هامة على كل ذى روح يدب ، ولامه الملمة وهى النازلة وعبر بالملامة ليناسب الهامة ، أو اللامة على ظاهره من لممت الشئ جمعته ، فهى بمعنى جامعة شر ، ولا محل للتطويل بطب العين وأدعيتها هنا .
ولم يخف يعقوب عليهم العين أول مرة ، لأنهم حينئذ مجهلو في أهل مصر ، بخلاف المرة الثانية ، فإنهم يعرفون ، وياشر إليهم بالأصابع أن هؤلاء اضياف الملك ، انظروا إليهم ما أحسنهم وما أحقهم بالإكرام ، أو كان الداعى إلى ذلك خوفه على بنيامين ، وما مجردهم فلم يخطر بباله أنهم يعانون ، ولو خطر ما قصر .
{ وما أغْنى عنكُم من الله مِنْ شىْءٍ } أى ما أدفع عنكم من الله شيئا من الدفع أو من الضر إن قضاه الله ، فإن الحذر لا يدفع القدر ، وذلك منه جمع بين التسبب والتوكل بما أشرت عليكم من الدخول من أبواب متفرقة .
قال الشبلى: أجل طريق عمل الأسباب في الظواهر ، وخلوا الباطن من تعليق بغير الله ، وذلك جمع بين الحكمة وحقيقة التوحيد ، ولذا مدح الله يعقوب بقوله: { وإنه لذو علم لما علمناه } وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شذ في رفض السع بالكلية ، وقنع بالماء ويقبل البرية .
{ إن الحُكم إلا لله } يصيبكم ما قضى أن يصيبكم إن كان قد قضى عليكم بشئ { عليْه توكَلتُ وعليْهِ فلْتوكَّل المتوكِّلون } الفاء صلة وعليه متعلق بما بعدها وإنما ساغ الجمع بين الواو والفاء للفصل بينهما بعليه ، وإنما قدم عليه في الموضعين للحصر ، وإنما لم يسقط الفاء لأنها في الأصل للتسبب ، فأتى بما هو صورة للتسبب وصفة له ، وفعل الأنبياء سبب لأن يقتدى به .