وروى أن يوسف بنى بناء مذهبا أربعين ذراعا طولا ، وأربعين عرضا ، وأمر يوسف عليه السلام ويعقوب وإخوته جميعا على حائطه وقصته من حين ذهبوا به وصوروا شمعون آخذا بذؤابتى يوسف بشماله ، والسكين بيمينه يريد قطع رأسه ، وصور صورة روبيل ويوسف داخل فتحت ذيله ، ولما دخلوا أمر غلمانه أن يدخلوهم في الموضع الذى صوروا فيه فدخلوا وجلسوا ، فرفع روبيل رأسل ، فوقع بصره على الصُّوَر فصعف ، فقال إخوته: مالك يا روبيل؟ فأخبرهم ، فقالوا: هذه والله صورنا وصنائعنا وأفعالنا بيوسف ، فتغيرت ألوانهم وتلجلجت ألسنتهم ، ووجلت قلوبهم ، فأخذوا في البطاء والنحيب .
فقال يوسف لغلمانه: قدموا لهم الطعام ، فقدموا فامتنعوا من الأكل ، فقال للغلمان: قولوا لهم لِمَ لا تكلون؟ فقالوا: والله لقد جئنا جياعا ولما رأينا هذه الصور وصورة أخينا المفقود ضاقت صدورنا فلم نطق الطعام وبكينا ، فقال لغلمانه: أخروجهم من ذلك البيت إلى بيت الخواص .
وكان بينامين يبكى وينتحب ، وعلا بكاؤه وغشى عليه ، ولما أفاق خرجوا إلى بيت الخواص ، وفيه مائدة فجلسوا ، فأذهب الله عنهم ذلك رحمة [ بهم ] ليأكلوا فأكلوا إلا بنيامين فلم يأكل ، واشتغل بالبكاء ودموعه كالجمان على خده كاللؤلؤ والمرجان وكان شبيها بيوسف في الحسن والجمال ، وبه يتسلى يعقوب ، فقال له يوسف: لم لا تأكل؟ قال: أشتهى أن أدخل ذلك البيت الذى كنا فيه ، قال: لمه؟ قال: لأنه وجدت فيه صورة أخى ، وأريد أن أجلس بحذائها وأبكى عليها ، فأذن له ، فرجع يبكى حولها ، فاحترق قلب يوسف ، فدخل بيت الخلوة وسأل الله أن يتعرف لأخيه فأذن الله له ، فمرّ ابنه أفراثيم حذاء عمه وجعل يبكى معه ، فكان بنيامين تارة ينظر إلى الصورة وتارة ينظرغلى أفراثيم فلم يميز بينهما ، فتعجب من ذلك فقال: ممن أخذت صورتك يا بنى؟ فقال: من هذا الذى في الحائط ، فقال: ممنأنت؟ قال: أنا ابن يوسف الصدِّيق ، قال: أهنا إنسان اسمه يوسف الصديق؟ قال: نعم ، فسماه الله صدِّيقا فبكى بنيامين بكاء شديدا ، وبكى أفراثيم لبكائه . ويوسف وزليخاينظران إليهما ويبيكيان .
قال أفراثيم: يا عم ممن بكاؤك؟ قال: يا بنى كان لى أخ اسمه يوسف ، وقص عليه القصة ، فقال له: لا تبكى يا عمى ، فأنا ابن أخيك يوسف ، وهو الذى كان يقربك ، فوثب من مكانه فضمه إلى صدره ، وقال: واحزناه وا طول شوقاه لفراقك يا قرة عينى ، وريحان قلبى ، وثمرة فؤادى يا يوسف ، وأين والدك؟ دلنى عليه ، فلا صبر لى عنه ، فمضى أفراثيم نحو والده وأخبره بخبر عمه ، قال له: سر إليه وأتنى به ، فرجع قال له: قم يا عمى ، فقام معه ، ودخل به بيت الخلوة ، فقام إليه يوسف ، وكشف البرقع عن وجهه ، وضمه إلى صدره ، وقال: يا قرة عينى يا بنيامين ، أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون ، فزعق بنيامين فغشى عليه ، ثم أفاق فقال له: يا حبيبى وقرة عينى وثمرة فؤادى ، كي فحال والدى؟ قال: كيف أصف لك حاله يا يوسف ، قد ذهبت والله عيناه من البكاء عليك ، فهو لا يشتهى إلا لقاءك ، فبكى وقال: ليت أمى لم تلدنى .