قالوا: كم بيننا وبينه؟ قال قدر الف عام .
{ قَالَتْ نَمْلَةٌ } انا إلى الآن لا ادري أهي ذكر أم انثى ولا تغرني تاء ( قالت ) كما غرت أبا حنيفة فان ما يفرق بينه وبين جمعه بالتاء في المفرد يؤنث مفرده إلا أن تبين مذكره فانه يذكر ودخل قتادة الكوفة فالتف عليه الناس فقال اسألوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضرا غلاما حدثا فقال أسالوا عن نملة سليمان أذكر أم انثى فسألوه فافحم . فقال أبو حنيفة: كانت أنثى ، فقيل له: من أين عرفت؟ فقال: من قوله تعالى ( قالت ) ، ولو كانت ذكر لقال قال نملة وارتضاه جار الله وقال: أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فمّيز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة انثى وهو وهي وفي قول أبي حنيفة ولو كانت ذكرا منافاة الكلام نفسه فافهم فانه أنّث النملة مع الأخبار عنها بالذكر إلا أن أراد تأويلها بدابة وهي نملة عرجاء تتكاوس ، وعن الشعبي: كانت ذات جناحين . قال الضحاك: اسمها طاخية وقيل: جرمي .
{ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ } قلت ذلك وقد رأت جند سليمان فقيل سمعت الصوت وخاطبت النمر بضمير العقلاء لأن النمل عقلاء عندها وكل من النمل عقال عند آخر كما تتخاطب العقلاء منا ، زعم بعضهم أنها لم تنطق حقيقة وأنها لما رأتهم متوجهين الى الوادي فرت عنهم مخافة الحكم فتبعها غيرها فصاحت صيحة نبهت بها ما بحضرتها من النمل فتبعها فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك أجروا خلق الله فيها العقل والنطق اه ولعل هذا البعض أراد انها لم تنطق بكلام نبي آدم وانما نطقت بغيره ففهمه سليمان وانه لا يمتنع ان يخلق الله فيها الكلام بلغة بني آدم والكل محتمل .
{ لا يَحْطِمَنَّكُمْ } لا يسكرنكم .
{ سُلَيْمَانُ وَجُنُدُهُ وَهُمْ } أيى سليمان وجنوده .
{ لا يَشْعُرُونَ } بهلاككم والظاهر عندي أن لا ناهية وهو الأوفق بالتأكيد بالنون وان المراد النهي عما هو ملزوم للحطم وهو عدم الانتقال عن مواضعهن فعبّر باللازم وأراد الملزوم وان شئت فقل عبر بالمسبب وأراد السبب فكأنه قال لا تقعدوا في مواضعكم فيحطمنكم سليمان وجنوده كقولك لا ارينك هاهنا تريد لا تحضر فأراك والظاهر عندى انه كما يمكن خطم الجنود النمل يمكن خطم سليمان إياه بلا عمد فالكلام على ظاهره ويجوز ان يكون المراد لا يحطمنكم جنود سليمان فجاء بم هو أبلغ كقولك اعجبني زيد وعلمه وأنت تريد أعجبتني علم زيد ويجوز أن تكون لا نافية وهي وما بعدها جواب للأمر أي ان دخلتم مساكنكم لا نحطمنكم واذا جعلناها ناهية فالجملة مستأنفة أو بدل من ادخلوا كقوله أقول له إرحل لا تقيمن عندنا وقرىء { مسكنكم } بالافراد وقريء { لا يحطمنكم } بنون التوكيد الخفيفه وقريء { لا يحطمنكم } بفتح الحاء وتشديد الطاء مكسورة أصله يحتطمنكم قبلت التاء طاء وادغمت في الطاء بعد نقل فتحتها الى الحاء وتوكيد الفعل المنفي بلا قليل غير مقيس وقيل مقيس في السعة والضرورة وجملة هم لا يشعرون مستأنفة أو حال احترزت بها عما لو شعروا بهن فانهم لا يتعمدون حطمهن فإن الانبياء معصومون عن الظلم وقد علمت النملة ان ليس في سليمان ما في الملوك من تجبروتية وان قلت كيف يحطم سليمان وجنوده وهم بين السماء والأرض النمل في الأرض؟ قلت: خافت النملة ان ينزلوا في الموضع الذي هن فيه أو لعل مركبهم تارة يعلو وتارة يقرب من الأرض وقيل أحست بصورة الجند ولم تعلم انهم في الهواء فأمر الريح فسكنت لئلا يذعرن وقيل كانوا في هذا المسير ماشين على الأرض بأرجلهم ودوابهم وسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال حملته اليه الريح ولما بلغ وادي النمل حبس جنده حتى دخل النمل بيوتهم وروي انه لما سمع كلامها نزل وقال: ائتوني بها فقال: لها لم حذرت النمل من ظلمي أما علمت اني نبي دعل قالت: أو ما سمعت قولي وهم لا يشعرون مع اني لم أرد حطم الأجسام وانما اردت حطم القلوب خشية أن نتمني مثل ما اعطيت فنفتتن ونشغف بالنظر اليكم عن التسبيح فقال لها عظيني .