{ بَلْ أحْياءٌ } : أى بل هم أحياء ، وهذا إضراب انتقالى عن النهى أن يقولوا هم أموات ، وقال: إنهم أحياء في نعيم دائم ، أحبوا ليصلهم الثواب ، وهذا كلام مستأنف منقطع عن النهى وعن المحكى بالقول ، نقض الله D قولهم أموات وليس أحياء معطوف على أموات ، ولا هو بتقدير المبتدأ معطوفًا على هم أموات ، لأن المعنى حينئذ لا تقولوا أموات بل أحياء ، وليس ذلك صحيحًا ، نعم يجوز تقدير القول أمرًا ، أى بل قالوا هم أحياء .
{ ولكن لا تَشْعُرون } : لا تعلمون كيف حياتهم ، لأنكم ترونهم لا يتحركون ولا يتنفسون ولا يتكلمون ، فهى حياة لا تدرك بالعقل ولا بالمشاهدةن بل علمها عند الله وتدرك بالوحى ، وقيل إن الحياة حلت أجسادهم ولو لم تتبين بالحس والمشاهدة ، إلى أن يبعثوا وسائر الأموات تحيا أجسادهم بعد الموت برجوع الروح إليها ، وتمكث فيها ما شاء الله ، ثم تخرج وقد تعود ، وليس ذلك تكرير موت ، بل كنوم ولا مشقة في خروجها حينئذ ، وقيل: حياتهم بالروح لا في الأجساد ، فامتيازهم عن سائر الأموات بأكل الأرواح من الجنة أو فيها ، أو التنعيم فيها أو منها ، وبتصييرها بصور طين بيض وخضر أو في أجواف طير بيض أو صفر ، هذا ما ظهر لى في الرد على من خالف الجمهور في قولهم: إن حياتهم بالروح لا في الجسد ، وقال: إنها الجسد ، وإنها لو كانت بالروح فقط ، لاستتوا بجميع الأموات . الذين ليسوا شهداء ، ولم تكن لهم مزية ، ويجوز أن يكون المعنى: ولكن لا تشعرون ما هم فيه من النعيم ، وعن الحسن: أن الشهداء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أروحهم ، ويصل إليهم الروح والريحان والفرح ، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشيًّا ، فيصلهم الألم والوجع ، ويدل ذلك على ثبوت عذاب القبر وتنعيمه ، وأن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد الموت مدرك كما هو قول جمهور الصحابة والتابعين ، وعليه تدل الآيات والسنن ، وروى مسلم أن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طير خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ، ثم تأوى إلى قناديل تحت العرش . وعن مجاهد: يرزقون تمر الجنة ، ويجدون ريحها وليسوا فيها . وهو كلام يحتمل ظاهره وهو الأكل منها في قبورهم ، ويحتمل أنهم يأكلون منها بأرواحهم وليسوا فيها بأجسادهم . قال الزمخشرى: وقالو يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم ، وإن كانت في حجم الذرة ، وعنه A: « أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة » وروى في قبة خضراء ، وروى في قناديل من ذهب ، ويجمع بين ذلك بأن بعض الشهداء على حال ، وبعضا على حال ، أو كلهم في وقت على حال ، وفى وقت على حال ، وبعضا في حواصل الطير ، وبعضا يصور طائرًا ، ثم رأيت القرطبى أشار إلى ذلك قوال: إنه حسن يجمع به بين الأخبار حتى لا تدافع ، وكذا ورد في الحديث: إنما نسميه المؤمن من طائر يعلق في الجنة ، ومعنى يعلق يأكل ، منه قولهم: ما ذقت علاقا أى مأكلا ، فأما أن يراد المؤمنون كلهم ، فيختص الشهداء بقدر لا يناله غيرهم ، وأما أن يراد المؤمن الشهيد ونكتة الإطلاق كثرة شهداء الآخرة لحصول الشهادة الأخروية بغير القتل أيضا ، وحديث: إنما نسيمه المؤمن طائر يعلق في الجنة .