فهرس الكتاب

الصفحة 3287 من 7680

الرابع: أن يبالغ في التواضع لهما كما قال الله سبحانه وتعالى: { وَاخْفِضْ لَهُمَا جنَاحَ الذُّلِّ } أى تذلل وتواضع لهما حتى لا تمتنع من شئ أراده ، شبه الذل بالطائر تشبيها غير مذكور وذلك التشبيه استعارة ملكية وأثبت له شيئًا من لوازم الطائر عند انحطاطه وانخفاضه وهو الجناح وذلك الإِثبات استعارة تخييلية كما جعل لبيد للشمال وهى ريح يدًا وللقرة بكسر القاف وهى البرد زمامًا في قوله:

وغداة ريح قد كشف وقرة ... إِذ أصبحت بيد الشمال زمامها

أى زمام القرة ، شبه الشمال بالإِنسان تشبيهًا مضمر ، أى النفس على سبيل الاستعارة المكنية وأثبت لها ما لا يلازم الإِنسان وهو اليد على طريق الاستعارة التخييلية ، وشبه القرة بنحو ناقة كذلك وأثبت لها لازم الناقة مثلا وهو الزمام كذلك ، وأمره الله سبحانه وتعالى بخفض الجناح مبالغة ويجوز أن يكون المعنى واخفض لهما جناحك ، كما قال واحفظ جناحك للمؤمنين وعليه فإِضافة الذل لبيان لزوم الذل في حقهما وللمبالغة كما يقال حاتم الجود ، كأَنه قيل جناحك الذليل وحاتم الجواد ، وقرئ الذل بكسر الذال والمعنى واحد . وقال أبو حيان هو بالكسر للدابة ضد الصعوبة وبالضم للإِنسان ضد العسر كأَنهم فرقوا بذلك لأَن ما يلحق الإِنسان أكثر قدرًا مما يلحق الدابة فاختاروا الضم لقوته في الإِنسان والكسر لضعفه في الدابة ، وقيل المكسور بمعنى الانقياد { مِنَ الرَّحْمَةِ } من شدة شفقتك عليهما لكبرهما وافتقارك اليوم إِليهما كما كنت في حال صغرك أفقر خلق إِليهما ، ومن للتعليل ، وقيل للابتداء وليست للبيان الخامس الدعاء برحمة الآخرة لهما غير مكتف برحمتك التى لا بقاء لهما كما قال الله D: { وَقُل رَّبِّ ارْحمْهُمَا } بالرحمة الدائمة وهى رحمة الآخرة ، وهذا في حق الوالدين المسلمين محكم وفى حق المشركين منسوخ بقوله تعالى: { ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى } ، والفاسق من الوالدين عندنا مقيس على المشرك وأما الموقوف فيه منهما فيكف عن الدعاء له بخير الآخرة عندنا . وقال بعضنا يدعى له به ويتولى وأما عند مخالفينا فالموحد مطلقًا يجوز أن يدعى له بالجنة مطيعًا أو فاسقًا ، وقيل يجوز أن يدعى للوالدين المشركين بأَن يهديهما الله إِلى الإِسلام ، فإِذا هداهما فقد رحمهما فقد دخلا في الآية ، ولا نسخ فيها وذلك قول مخالفينا وهكذا يجوز عندهم الدعاء بالهداية للمشرك والفاسق ويمنع ذلك عندنا والظاهر عند الجواز لما روى أنه دعا رسول الله - A - وبعض الأَنبياء عليهم السلام كنوح ، للمشركين بالهداية ولأَن الدعاء للمشرك والفاسق تقوية للإِسلام ولا فرق بينه وبين دعائهما إِلى الإِسلام سبب له فإِن كان المنع لأَنه سبب لدخولها فليمنع دعاءهما إِلى الإِسلام ولا قائل به وإِنما الممنوع عندى الدعاء لهما بالجنة ونحوها من خير الاخرة كإِعطاء كتابه بيمنه واختلف أصحابنا في الولاية والبراءة بالشريطة وفى الكشاف إِذا كان الوالدين كافرين فللولد أن يسترحم لهما بشرط الإيمان وأن يدعو الله لهما بالهداية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت