(بشير) بفتحِ الموحَّدةِ وكسرِ الشِّينِ، وقولُ أبي الحسنِ القابسيِّ ويحيى بنِ معينٍ عن أهلِ المدينةِ ألَّا يصحُّ للنُّعمانِ سماعٌ منَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ يردُّهُ لفظُ: (سمعتُ) ههنا.
قوله: (بيِّن) أي: ظاهرٌ، نظرًا إلى ما دلَّ على الحلِّ بلا شبهةٍ، أو على الحرمةِ بلا شبهةٍ.
قوله: (مشبهًا) ضُبِطَ بلفظِ اسمِ الفاعلِ من الإفعالِ والتَّفعيلِ والافتعالِ، ولفظُ اسمِ المفعولِ من الأوَّلين، ومعناهُ: مشبِّهاتٍ أنفسَهَا بالحلالِ، أو مشبهاتٍ بالحلالِ أو مشبهاتٍ ليستْ بواضحةِ الحلِّ والحرمةِ، لا يعرفها إلَّا المجتهدونَ.
قوله: (فمن اتَّقى) أي: حذرَ، فقد حصَّلَ البراءةَ لدينهِ من النَّقصِ، ولعرضِهِ من الطَّعنِ فيهِ.
و (العرض) بكسرِ العينِ: موضعُ المدحِ والذَّمِّ من الإنسانِ؛ أي: الأمورُ الَّتي من جهتِهَا يُحمَدُ أو يُذَمُّ، سواءً كان في نفسِهِ، أو في قولِهِ: «فمن اتَّقى الشُّبهاتِ» أيضًا ما تقدَّمَ منَ اختلافِ الرِّواياتِ، وجوابُ الشَّرطِ محذوفٌ؛ أي: منْ وقعَ في المشبهاتِ وقعَ في الحرامِ كما جاءَ مذكورًا في بعضِ الرِّواياتِ.
ويحتملُ أنْ تكونَ (من) موصولةٌ
ص 57
مبتدأ، وخبرُهَا: (كراعٍ) ؛ أي: والَّذي وقعَ في الشُّبهاتِ مثلُ راعٍ يرعى مواشيهِ.
قوله: (الحمى) بكسرِ المهملةِ وفتحِ الميمِ المخفَّفةِ اسمٌ لمكانِ حماهُ الإمامُ ومنعَ النَّاسَ منهُ.
قوله: (يوشك أن يواقعه) أي: يقربُ أن يقعَ فيه، الجملةُ صفةٌ بعدَ صفةٍ لـ (راعٍ) ، وخصَّ التَّمثيلَ بهذا؛ لشهرتِهِ عندَهُم بأنَّ ملوكَ العربِ كانوا يحمونَ لمواشيهم مراعيَ مخصوصةً يتوعَّدونَ من رعى فيها بغيرِ إذنِهِمْ بالعقوبةِ الشَّديدةِ، فاللهُ سبحانهُ هو الملكُ حقًّا، وحماهُ محارِمُهُ، والشُّبهاتُ ما حولَهُ، والرَّاعي المكلَّفُ، والأنعامُ نفسُهُ البهيمةُ، والرَّتعُ حولَ الحمى يتناوَلُ الشُّبهاتِ، واختُلِفَ في تفسيرِ الشُّبهاتِ، فقيلَ: ما تعارضَ فيهِ الأدلَّةُ حلًّا وحرمةً، وقيلَ: ما اختلفَ فيهِ العلماءُ، وهذا منتزعٌ منَ الأوَّلِ، وقيلَ: المكروهُ؛ لأنَّه يجد جانبَ الفعلِ وتركهِ، وقيلَ: المباحُ؛ أي: باعتبارِ ذاتهِ، ولكنَّ راجحَ الفعلِ والتَّركِ باعتبارِ أمرٍ خارجٍ عنهُ كما نُقِلَ عنْ بعضِهِم أنَّ المكروهَ بينَ العبدِ والحرامِ، فمن استكثرَ منهُ تطرَّقَ إلى الحرامِ، والمباحُ عقبةٌ بينَهُ وبينَ المكروهِ، فمنِ استكثرَ منهُ تطرَّقَ إلى المكروهِ كالإكثارِ مثلًا من الطَّيِّباتِ، فإنَّهُ يخرجُ إلى كثرةِ الاكتسابِ المُوقِعُ في أخذِ ما لا يستحقُّ.
قوله: (ألا وإنَّ) (ألا) بفتحِ الهمزةِ وتخفيفِ اللَّامِ حرفُ الشَّبهِ، تدلُّ على صحَّةِ ما بعدِهَا.
(مضغة) أي: قطعةُ لحمٍ قدرَ ما يُمضَغُ في الفمِ؛ لصغرِهَا، كأنَّ المرادَ تصغيرُ القلبِ بالنِّسبةِ إلى باقي الجسدِ.
قوله: (صلح) بفتحِ العينِ يصلحُ ههنا، وكذلكَ: (فَسَد) يفسدُ، وحكى الفرَّاءُ الضَّمَّ في ماضي (صلح) ، وهو بضمٍّ وفاقًا إذا صارَ الصَّلاحُ هيئةً لازمةً كشرفٍ ونحوه.
قوله: (ألا وهي القلب) أي: ألا إنَّ الأمرَ كما سبقَ، وهي القلبُ، والمرادُ به ههنا المعنى القائمُ بهِ الَّذي هوَ محلُّ الخطابِ والتَّكليفِ، واستدلَّ بهذا وبقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج:46] [في المخطوط: لا يعقلون، أثبتُّ الصَّحيح] على أنَّ العقلَ في القلبِ، وهوَ مذهبُ الشَّافعيَّةِ وجمهورِ المتكلِّمينَ، وعندَ الحنفيَّةِ هو الدِّماغُ، وحُكِيَ الأوَّلُ عنِ الفلاسفةِ، والثَّاني عنِ الأطبَّاءِ.