و (كان سعيد يبعث) أي: يرسلُ الجيوشَ إلى مكَّةَ لقتالِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ؛ لكونِهِ امتنعَ من مبايعةِ يزيدَ بنِ معاويةَ واعتصمَ بالحرمِ، وكانَ عمرو والي يزيدَ على المدينةِ، والقصَّةُ مشهورةٌ، وملخَّصُهَا أنَّ معاويةَ عَهِدَ بالخلافةِ بعدَهُ ليزيدَ بنِ معاويةَ، فبايعهُ النَّاسُ إلَّا عبدَ الرَّحمنِ بنِ أبي بكرٍ، فاعتصمَ بمكَّةَ، ويُسمَّى عائذَ البيتِ، وغلبَ على أميرِ مكَّةَ، وكان يزيدُ بنُ معاويةَ يأمرُ أمراءً على المدينةِ أنْ جهِّزوا إليهِ الجيوشَ، فكانَ آخرُ ذلكَ أنَّ أهلَ المدينةِ اجتمعوا على خلعِ يزيدَ منَ الخلافةِ.
قوله: (قام) صفةٌ لـ (القوم) ، والمقولُ هو: حمد الله ... إلى آخرهِ.
و (الغداة) اليومُ الثَّاني منْ يومِ فتحِ مكَّةَ.
و (وعاه) أي: حفظَهُ.
و (به) أي: بالقولِ وحمدِ اللهِ تعالى بيانٌ لقولِهِ: تكلَّمَ، و (حين) ظرفٌ لـ (قام) ، وسمعتُ ووعاه وأبصرتُ، ويحتملُ أنْ يرادَ بـ (قامَ بهِ) قالَ بهِ قولَهُ: حرَّمها اللهُ تعالى؛ إمَّا أنْ يرادَ بهِ مطلقَ التَّحريمِ؛ فيتناولُ كلَّ محرَّماتِهَا، وإمَّا أنْ يرادَ بهِ ما ذكرَهُ بعدَهُ منْ سفكِ الدَّمِ وعضدِ الشَّجرِ.
قوله: (لم يحرِّمها النَّاس) أي: ليسَ منْ محرَّماتِ النَّاسِ حتَّى لا يُعتدَّ بهِ، بلْ منْ محرَّماتِ اللهِ تعالى، وإنَّ تحريمها بوحيِ اللهِ تعالى، لا أنَّها اصطلحَ النَّاسُ على تحريمِهَا بغيرِ إذنِ اللهِ تعالى.
قوله: (يسفك) بكسرِ الفاءِ على المشهورِ، وحُكِيَ ضمُّها،
ص 84
وكذا (يعضد) ، والمرادُ منْ إسالةِ الدَّمِ القتلُ.
و (العضد) القطعُ، و (لا يعضد) عطفٌ على (يسفك) .
و (لا) زائدةٌ لتأكيدِ معنى النَّفي، فمعناهُ: لا يحلُّ أن يُعضَدَ.
قوله: (فإن أحد) فاعلُ فعلٍ محذوفٍ مفسَّرٍ.
و (ترخص) مشتقٌّ من الرُّخصةِ، وهو حكمٌ ثبتَ لعذرٍ معَ قيامِ المحرَّمِ لولا العذرُ.
قوله: (ساعة) أي: مقدارًا من الزَّمانِ من يومِ الفتحِ، وهو زمانُ الدُّخولِ فيها، ولا يعلمُ من الحديثِ إباحةُ عضدِ الشَّجرِ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ في تلكَ السَّاعةِ.
قوله: (ما قال عمرو) أي: في (ولا تعيذ) أي: مكَّةَ، وفي بعضها: (لا يعيذُ) أي: الحرمُ؛ أي: لا يعصمُ العاصي مثلًا كالظَّالمِ.
قوله: (ولا فارًّا بدم) أي: ملتجئًا إلى الحرمِ ملتبسًا بدمٍ غيرِ حقٍّ خوفًا منَ القصاصِ.
قوله: (بخزية) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ وإسكانِ الرَّاءِ، وبالموحَّدةِ؛ أي: جنايةٍ.
قيلَ: لمَّا سمعَ عمرو ذلك؛ ردَّه بقولِهِ: أنا أعلمُ، يعني: صحَّ سماعُكَ وحفظُكَ، لكن ما فهمتُ المعنى المرادَ منَ المقاتلةِ، فإنَّ ذلكَ التَّرخُّصُ كانَ سببَ الفتحِ عنوةً، وليسَ بسببِ قتلِ من استحقَّهُ خارجَ الحرمِ، والَّذي أنا بصددِهِ من القبيلِ الثَّاني لا منَ الأوَّلِ، فكيفَ تنكر عليَّ، فهوَ منَ القولِ بالموجبِ، فالجوابُ مطابقًا للسُّؤالِ.