و (بردة) بضمِّ الموحَّدةِ وإسكانِ الرَّاءِ.
قوله: (مثل) بفتحِ المثلَّثةِ المرادُ منهُ ههنا الصِّفةُ العجيبةُ الشَّأنِ لا القولُ السَّائرُ.
قوله: (نقيَّة) بالنُّونِ؛ أي: طيِّبةٌ طاهرةٌ، وفي بعضِ النُّسخِ: (ثغبة) بالمثلَّثةِ والغينِ المعجمةِ المفتوحتينِ، وبالموحَّدةِ، وقدْ تسكَّنُ العينُ أيضًا، رواهُ الخطَّابيُّ،
ص 73
وقالَ: هو منتقعُ الماءِ في الجبالِ والصُّخورِ.
قالَ صاحبُ «المطالعِ» : هذهِ الرِّوايةُ غلطٌ منَ النَّاقلينَ، وتصحيفٌ وإحالةٌ للمعنى؛ لأنَّه إنَّما جُعِلَتْ هذهِ الطَّائفةُ الأولى مثلًا لما ينبتُ، والثغبةُ لا تنبتُ.
قوله: (قبلت) بفتحِ القافِ وكسرِ الموحَّدةِ، وفي بعضِهَا: قيلتْ، بالياءِ أختُ الواوِ مشدَّدةٌ؛ أي: أمسكتْ.
قوله: (الكلأ) بالهمزةِ على وزنِ (جبل) ، وهوَ النَّباتُ يابسًا ورطبًا، وأمَّا العشبُ والكلأُ مقصورًا؛ فمختصَّانِ بالرَّطبِ، والحشيشُ مختصٌّ باليابسِ، وعطفَ العشبَ على الكلأِ
من بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ، والتَّخصيصُ بالذِّكرِ لفائدةِ الاهتمامِ بهِ لشرفِهِ.
قوله: (أجادب) بالجيمِ والدَّالِ المهملةِ، جمعُ (جدب) بفتحِ المهملةِ على غيرِ قياسٍ؛ الأرضُ الَّتي لا تُنبِتُ كلأً، وقيلَ: الَّتي تمسكُ الماءَ فلا تسرعُ فيهِ النُّضوبَ، ورُوِيَ: (أجادر) بالجيمِ والرَّاءِ المهملةِ؛ أي: ما لا يُنبِتُ الكلأَ.
و (أخاذات) بالخاءِ والذَّالِ المعجمتينِ جمعُ أخاذةٍ بكسرِ الهمزةِ، وهيَ الغديرُ الَّذي يمسكُ الماءَ.
قوله: (بها) أي: بالأجادبِ، وفي بعضها: بهِ؛ أي: بالماءِ.
و (سقوا) بفتحِ السِّينِ؛ أي: سقوا دوابَّهم وزرعوا ما يصلحُ للزَّرعِ.
قوله: (طائفة) أي: قطعةٌ؛ أي: جزءٌ من الأرضِ.
و (القيعان) بكسرِ القافِ جمعُ القاعِ، وهوَ الأرضُ المستويةُ، وقيلَ: الملساءُ، وقيلَ: الَّتي لا ثباتَ فيها، وهذا هوَ المرادُ في الحديثِ.
قوله: (فَقُه) بضمِّ القافِ من الفقهِ الشَّرعيِّ، وأمَّا (فَقِه) بالكسرِ؛ فمنَ الفقهِ بمعنى الفهمِ، وقيلَ: (فقه) بالكسرِ أيضًا جاءَ منَ الفقهِ الشَّرعيِّ.
اعلمْ أنَّه ذُكِرَ في تقسيمِ الأرضِ ثلاثةُ أقسامٍ، وفي تقسيمِ النَّاسِ قسمينِ، فقيلَ أنَّ القسمَ الأوَّلَ والثَّاني من أقسامِ الأرضِ كقسمٍ واحدٍ منْ حيثُ أنَّهُ ينتفعُ بهِ، وذلكَ في نفسِهِ، وينتفعُ غيرُهُ أيضًا، وذلكَ (إنْ أصابَ منها) معطوف على (أصاب الرِّضا) ، و (كانت) الثَّانيةُ معطوفة على (كانت) لا على (أصاب) ، فعلى هذا ذكرَ في الحديثِ الطَّرفانِ العالي في الاهتداءِ والعالي في الضَّلالِ.
وتركَ قسمانِ: من انتفعَ بالعلمِ في نفسِهِ فحسب، ومن لمْ ينتفعْ هو في نفسِهِ ولكنْ نفعَ غيرَهُ.
وأقولُ: يحتملُ لفظُ الحديثِ لتثليثِ القسمةِ في النَّاسِ أيضًا بأنْ يُقدَّر قبلَ لفظِ: (نفعه) كلمةُ (من) بقرينةِ عطفِهِ على (من فقه) .
و (ح) الفقيهُ بمعنى العالمِ النَّافعِ لنفسِهِ دونَ غيرِهِ منَ النَّاسِ أنفسهِمْ في مقابلةِ الطَّائفةِ البقيَّةِ من الأرضِ النَّافعةِ لنفسِهَا حيثُ تصيرُ خضراءً ذاتَ العشبِ حسنةَ المنظرِ، ولمْ تنفعِ النَّاسَ نفعًا معتدًّا به؛ لأنَّها لمْ تُنبِتْ ما يأكلهُ النَّاسُ من الغلَّةِ والحبوبِ، وإن كانتْ نبتَ ما تأكلُهُ الأنعامُ من الكلأِ.
ويكونُ المرادُ من قولهِ: (ونفعه) من نفعَ نفسَهُ بالعلمِ والعملِ وغيرَهُ بالتَّعليمِ في مقابلةِ الأجادبِ الَّتي تصيرُ طريَّةً حسنةَ المنظرِ بالماءِ الصَّافي وتنفعُ النَّاسَ بالشَّربِ والسَّقي والزَّرعِ.
و (من لم يرفع) في مقابلةِ (القيعانِ) ، وإنَّما حذفَ لفظً: (من) إشعارًا بأنَّهما في حكمٍ واحدٍ؛ أي: في كونِهِ ذا انتفاعٍ في الجملةِ، كما جعلَ للنَّقيَّةِ والأجادبَ حكمًا واحدًا، ولهذا لمْ يعطفْ بلفظِ: (أصاب) في (الأجادب) .
فإن قلتَ: لمَ كرَّرَ لفظَ: (مثل) في (من لم يرفع) ؟
قلتُ: لأنَّهُ نوعٌ آخرُ مقابلٌ لما تقدَّمَ، كذا في «الكرمانيِّ» .
وقالَ في «القسطلانيِّ» : يحتملُ أن
ص 74
يكون ذكر من الأقسام أعلاها وأدناها، وطوى ذكر ما بينهما؛ لفهمه من الأقسام المشبَّهة المذكورة أوَّلًا.
قوله: (قال أبو عبد الله) أي: الإمام صاحب الجامع البخاريِّ.
(قال إسحاق) وفي بعض النُّسخ: (عن أبي أسامة) يعني: حمَّاد بن أسامة، والمقصود أنَّه روى إسحاق عن حمَّاد لفظ (طائفة) بدل ما روى محمَّد بن العلاء عن حمَّاد لفظ: (نقيَّة) ، كذا في «الكرمانيِّ» ، ويُفهَم من «القسطلانيِّ» أنَّه روى لفظَ: (قيِّلت) بالمثنَّاةِ التَّحتيَّةِ المشدَّدةِ بدلَ (قبلت) بالموحَّدةِ، والمعنى: شربتِ القيلَ، وهو: شربت نصفَ النَّهارِ.