هذا الحديثُ أورَدَهُ المصنِّفُ ههنا ترجمة بابٍ، ولمْ يخرجْهُ مسندًا في هذا الكتابِ؛ لكونِهِ على غيرِ شرطِهِ، وقدْ أخرجَهُ مسلمٌ، يحتملُ أن يُحمَل على المبالغةِ؛ أي: معظمُ الدِّينِ النَّصيحةُ، قيلَ: النَّصيحةُ كلمةٌ جامعةٌ معناها: حيازةُ الحظِّ للمنصوحِ لهُ، وليسَ في كلامِ العربِ كلمةٌ مفردةٌ مستوفى بها العبارةُ عن معنى هذهِ الكلمةِ كما قالوا في (الفلاح) ، ليسَ في كلامِهِمْ كلمةٌ أجمعُ لخيرِ الدُّنيا والآخرةِ منهُ، فالنَّصيحةُ للهِ، وصفةٌ بما عوَّلَهُ أهلُ الخضوعِ له ظاهرًا وباطنًا، والرَّغبةُ في محابِّهِ بفعلِ طاعتِهِ، والرَّهبةِ من مساخطِهِ بتركِ معصيته.
قيلَ: قالَ الحواريُّونَ لعيسى عليهِ السَّلامُ: يا روحَ اللهِ من النَّاصحُ؟ قالَ: الَّذي يقدِّمُ حقَّ اللهِ تعالى
ص 60
على حقِّ النَّاسِ.
والنَّصيحةُ لكتابِ اللهِ تعالَى تعلُّمِهِ وتعليمِهِ وإقامةِ حروفِهِ في التِّلاوةِ وتحريرِها في الكتابِ، وتفهُّمِ معانيهِ وحفظِ حدودِهِ والعملِ بما فيهِ، والنَّصيحةُ لرسولِهِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تعظيمُهُ ونصرُهُ حيًّا وميِّتًا وإحياءِ سنَّتِهِ بتعلُّمِهَا وتعليمِهَا والاقتداءِ بهِ في أفعالِهِ وأقوالِهِ ومحبَّتِهِ ومحبَّةِ أهلِ بيتِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ، والنَّصيحةُ لأئمَّةِ المسلمينَ إعانتهم على ما حُمِّلُوا القيامَ به وتنبيههم عندَ الغفلةِ، ودفعهم عن الظُّلمِ بالَّتي هي أحسنُ.
ومن جملةِ أئمَّةِ الاجتهادِ لعامَّةِ المسلمينَ الشَّفقةُ عليهم وتعليمِهِم ما ينفعُهُم، وكفُّ وجوهِ الأذى عنهم، وأن يحبَّ لهم ما يحبُّ لنفسِهِ، ويكرهُ لهم ما يكرهُ لنفسِهِ.