فإن قلتَ: قد رُوِيَ أيضًا أنَّهُ كانَ في الحطيمِ، فكيفَ الجمعُ بينهما؟
قلتُ: قد رُوِيَ أنَّ العروجَ كان مرَّتينِ؛ مرَّةً في النَّومِ ومرّةً في اليقظةِ.
وقالَ السَيِّدُ عبدُ الأوَّلِ: لا يبعدُ أنْ يقالَ: أنَّ جبرائيلَ عليهِ السَّلامُ بعدَ غسلِ الصَّدرِ وأطباقِهِ وأخذَ يدَهُ ذهبَ بهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ إلى الكعبةِ، ومنَ الحطيمِ عرجَ بهِ إلى السَّماءِ.
قوله: (ممتلئ حكمة) أي: ممتلئٌ بشيءٍ يحصلُ بهِ الحكمةُ والإيمانُ، فسُمِّيَ حكمةً وإيمانًا إطلاقُ الاسمِ المسبِّبِ على السَّببِ، أو أنَّهُ من بابِ التَّمثيلِ، أو يقالُ: أنَّ المعاني مثلَّثٌ بصورِ كما مثَّلَ لهُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وباركَ وسلَّمَ أرواحُ الأنبياءِ عليهمُ السَّلامُ بالصُّورِ الَّتي كانوا عليها.
وقيلَ: أنَّ المعاني يدركُهَا عينُ الكشفِ ولا يدركها عينُ الحسنِ.
قوله: (فأطبقه) أي: جعلَ الصَّدرَ ملتئمةً.
و (فعرج به) فهو إمَّا لأنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ جرَّدَ منْ نفسِهِ شخصًا فأشارَ إليهِ، أو أنَّ؟؟؟ نقلَ كلامَهُ بالمعنى لا بلفظِهِ بعينِهِ.
قوله: (أرسل إليه) هل أرسلكَ اللهُ تعالى إليهِ للعروجِ والإسراءِ.
(أسودة) جمعُ سوادٍ، وهو الشَّخصُ.
وقيلَ: الأسودةُ؛ الجماعاتُ، وسوادُ النَّاسِ عوامِّهمْ، وكلُّ عددٍ كثيرٍ.
و (مرحبًا) مفعولٌ مطلقٌ؛ أي: رحبتَ مرحبًا وسعةً لا ضيقًا.
و (القِبَل) بكسرِ القافِ وفتحِ الموحَّدةِ الجهةُ.
و (النَّسم) بالنُّونِ والمهملةِ المفتوحتينِ؛ جمعُ نسمة، وهي نفسُ الإنسانِ، والمرادُ أرواحُ بني آدمَ.
قيلَ: يحتملُ أنْ يكونَ الجنَّةَ في جهةِ يمينِ آدمَ، والنَّارَ في جهةِ شمالِهِ، وكانَ يكشفُ لهُ عنها.
ويحتملُ أنْ يُقالَ: النَّسمُ مخلوقةٌ قبلَ الأجسادِ، ومستقرُّها عن يمينِ آدمَ و
ص 151
وشمالِهِ.
قوله: (لم يثبت) أي: أبو ذرٍ؛ أي: لم يعيِّنْ لكلِّ نبيٍّ سماءً معيَّنةً.
والباءُ في (بالنَّبيِّ) للمصاحبةِ، وفي (بإدريس) للإلصاقِ، وكلاهما متعلِّقان بـ (مرَّ) ، وإنَّما لم يقلْ (إدريس بالابن الصَّالح) معَ أنَّهُ أبوهُ على الأشهرِ تأدُّبًا تواضعًا.
فإن قلتَ: قدْ عُلِمَ منازلُهُمْ بلفظِ (ثمَّ) الَّتي للتَّرتيبِ، فكيفَ يصحُّ ولم يُثبِتْ أبو ذرٍ منازلَهُمْ؟
قلتُ: إمَّا أنَّ أنسًا لم يروِ هذا عنْ أبي ذرٍ، وإمَّا أن يقالَ: لمْ يلزمْ منهُ تعيينُ منازلهم لبقاءِ الإبهامِ فيهِ؛ لأنَّ بينَ آدمَ وإبراهيمَ ثلاثةٌ منَ الأنبياءِ وأربعٌ منَ السَّماواتِ أو خمسةٌ، إذْ جاءَ في بعضِهَا: وإبراهيمُ في السَّماءِ السَّابعةِ، ولعلَّ التَّوفيقَ بينهما أنَّهُ وجدَ إبراهيمَ في السَّادسةِ ثمَّ ارتقى إبراهيمُ أيضًا في السَّابعةِ، أو أنَّ الإسراءَ كانَ مرَّتينِ.
قوله: (فقلت) أي: قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ: فقلتُ.
قوله: (ابن حزم) بفتحِ المهملةِ وسكونِ الزَّاءِ.
قوله: (وأبا حبَّة) بفتحِ المهملةِ وشدَّةِ الموحَّدةِ على الصَّحيحِ، وقيلَ: بالمثنَّاةِ التَّحتيَّةِ، وقيلَ: بالنُّونِ.
(ظهرت) أي: علوتُ لاستعلاءِ مستوى بفتحِ الواو؛ أي: المصعد، وقيلَ: المكانُ المستوي.
واللَّامُ فيه للعلَّةِ؛ أي: علوتُ لاستعلاءِ مستوى أو بمعنى (إلى) .
و (صريف الأقلام) تصويتها حالَ الكتابةِ، يعني: صوتُ أقلامِ الملائكةِ يكتبونَ من أقضيةِ اللهِ تعالى ووحيِهِ، وينسخونَ منَ اللَّوحِ المحفوظِ ما شاءَ اللهُ سبحانَهُ إلى ربِّكَ؛ أي: إلى الموضعِ الَّذي ناجيتَ ربَّكَ.
و (الشَّطر) النِّصفُ، وقيلَ: المرادُ منهُ البعضُ.
قوله: (وهي خمس) أي: بحسبِ الفعلِ والعملِ والجزاءِ من جاءَ بالحسنةِ؛ فلهُ عشرُ أمثالِهَا.
قوله: (لا يبدَّل) أي: لا يبدَّلُ الأخبار؟؟؟، مثل أنَّ ثوابَ الخمسِ خمسونَ، وأنَّ تبدَّلَ التَّكليفات أو لا يُبدَّل القضاءُ المبرمُ، وليسَ المعنى لا يبدَّلُ الخمسُ إلى أقل؛ لأنَّهُ لا يناسبُهُ لفظ: (استحييتُ من ربِّي) ؛ كذا في الكرمانيِّ، ولكن في «القسطلانيِّ» : وجهُ استحيائِهِ أنَّهُ لو سألَ الرَّفعَ بعدَ الخمسِ؛ لكانَ كأنَّهُ قدْ سألَ رفعَ الخمسِ بعينِهَا، لا سيَّما وقدْ سمعَ قولَهُ تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق:29] .
قوله: (السِّدرة) أي: الشَّجرةُ الَّتي في أعلى السَّماواتِ، لكن في أعلى السَّماواتِ، لكن في «صحيح مسلم» أنَّها في السَّماءِ السَّادسةِ، ومعظمُهَا في السَّابعةِ فوقَ الكلِّ، وسُمِّيَت بـ (المنتهى) ؛ لأنَّ علمَ الملائكةِ ينتهي إليها، ولمْ يجاوزْهَا أحدٌ إلَّا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ.
قوله: (لا أدري) فيهِ تفخيمٌ وتهويلٌ وإنْ كانَ معلومًا {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النَّجم:16] .
قوله: (جنابذ) جمعُ (الجنبذ) بضمِّ الجيمِ وسكونِ النُّونِ وبالموحَّدةِ المضمومةِ وبالمنقَّطةِ؛ ما ارتفعَ منَ الشَّيءِ واستدارَ مثلَ القبَّةِ.
والظَّاهرُ أّنَّهُ فارسيٌّ معرَّبٌ كـ (نبذ) ، ومن فوائدِ الحديثِ أنَّ الجنَّةَ فوقَ السَّماواتِ، وعدمُ وجوبِ صلاةِ الوترِ وعلوِّ منزلِ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ وبلوغُهُ ملكوتُ السَّماواتِ، وأنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مخلوقتانِ، وجوازُ النَّسخِ قبلَ الفعلِ.