فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 8133

114 -قوله: (بكتاب) أي: بأدواتِ الكتابِ كالقلمِ والدَّواةِ، والكتابُ: بمعنى الكتابةِ، أو أرادَ بالكتابِ ما من شأنِهِ أنْ يُكتَب كالكاغدِ وعظمِ الكتفِ، كما صرَّحَ بهِ في روايةِ مسلمٍ، وكانَ ذلكَ يومُ الخميسِ قبلَ وصالِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ بأربعةِ أيَّامٍ؛ كذا في «القسطلانيِّ» .

قوله: (اكتب) مجزوم جوابًا للأمرِ، أو مرفوع بالاستئنافِ.

و (لا تضلُّوا) نفيٌ، وقدْ حذفَ النُّونَ؛ لأنَّهُ بدلٌ من جوابِ الأمرِ، وقدْ جوَّزَ بعضُهُمْ جوازَ تعدُّدِ جوابِ الأمرِ من غيرِ حرفِ العطفِ.

قوله: (حسبنا) أي: كافينا، وهو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، واللَّفظُ بفتحِ اللَّامِ وبالمعجمةِ ساكنةً ومفتوحةً؛ هو الصَّوتُ.

قوله: (قوموا عنِّي) أي: مبتعدينَ عنِّي.

و (الرَّزيَّة) بفتحِ الرَّاءِ وكسرِ الزَّاءِ بعدهَا ياءٌ ساكنةٌ ثمَّ همزةٌ؛ المصيبةُ.

قوله: (حال) أي: صارَ حاجزًا، قيلَ: يحتملُ أنَّه أرادَ أنْ يكتبَ الخليفةَ بعدَهُ؛ لئلَّا يختلفَ النَّاسُ ولا يتنازَعُوا فيؤدِّيهمْ ذلكَ إلى الضَّلالِ، ويحتملُ أنَّهُ همَّ أنْ يكتبَ لهمْ كتابًا يرفعُ معهُ الاختلافَ بعدَهُ في أحكامِ الدِّينِ شفقةً على أمَّتِهِ وتخفيفًا عنهم.

قيلَ في وجهِ ما ذهبَ إليهِ عمرُ رضيَ اللهُ تعالى عنه: أنَّهُ لمَّا نظرَ قدْ أكملَ اللهُ تعالى الدِّينَ وتمَّمَ شرائعَهُ، وقدْ غلبَ الوجعُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ وأظلَّتْهُ الوفاةُ وهو بشرٌ يعتري بهِ منَ الآلامِ ما يعتري البشرَ؛ أشفقَ أنْ يكونَ ذلكَ القولُ منْ نوعِ ما يتكلَّمُ بهِ المريضُ ممَّا لا عزيمةَ لهُ فيهِ، فيتَّخذَ المنافقونَ سبيلًا إلى تلبيسِ أمرِ الدِّينِ، وقدْ كانَ أيضًا صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ يرى الرَّأيَ في الأمرِ فيراجعُهُ أصحابُهُ في ذلكَ إلى أنْ يعزم اللهُ تعالى لهُ على كلِّ شيءٍ كما راجعوهُ يومَ الحديبيةِ فيما أكتبَ بينَهُ وبينَ قريشٍ.

وأكثرُ العلماءِ جوَّزوا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى

ص 89

الاجتهادَ فيما لم ينزلْ عليهِ، وهوَ يحتملُ الخطأَ، والمريضُ موضوعٌ عنهُ القلمُ وعنِ النَّاسي مرفوعٌ، وقدْ سها في صلاتِهِ، فلمْ يستنكرْ أنْ يظنَّ به حدوثَ بعضِ هذهِ الأمورِ في مرضِهِ، فلذلكَ رأى عمرُ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ المصلحةَ في التَّوقُّفِ.

وقالَ المازنيُّ: فإن قيلَ: كيفَ جازَ للصَّحابةِ الاختلافُ في هذا الكتابِ؟ وكيفَ عصَوهُ في أمرِهِ؟

فالجواب: إنَّ الأوامرَ يقارنُهَا قرائنُ تنقلهَا منَ الوجوبِ إلى النَّدبِ أو الإباحةِ، فلعلَّهُ ظهرَ منهُ منَ القرائنِ ما دلَّ على أنَّهُ لمْ يُوجِبْ ذلكَ عليهِمْ، بلْ جعلَهُ إلى اختيارِهِمْ، فاختلفوا بحسبِ الاجتهادِ، يؤيِّدُهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ عاشَ بعدَ ذلكَ أيَّامًا ولم يعاودْ أمرَهُمْ بذلكَ، ولو كانَ واجبًا؛ لم يتركْهُ لاختلافِهِمْ، وقدْ عُدَّ هذا من موافقاتِ عمرَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ؛ كذا في «فتحِ القديرِ» .

وقالَ النَّوويُّ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ معصومٌ منَ الكذبِ ومنْ تغييرِ شيءٍ منَ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ في حالِ صحَّتِهِ وحالِ مرضِهِ، ومنْ تركِ تبليغَ ما أوجبَ اللهُ تعالى عليهِ تبليغَهُ.

وقولُ عمرَ: (حسبنا كتاب الله) ردٌّ على من نازعَهُ، لا على أمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ، وكانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ همَّ بالكتابِ حينَ ظهرَ؛ لأنَّهُ مصلحةٌ، أو أُوحِيَ إليهِ ثمَّ ظهرَ أنَّ المصلحةَ تركُهُ، أو أُوحِيَ بذلك ونُسِخَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت