قولُهُ: (وَعِنْدي جَاريتَان) أي: دونَ البلوغِ؛ أحديهما لحسَّان بن ثابت،
ص 233
أو كلاهما لعبدِ اللهِ بنِ سلام.
قولُهُ: (بِغِناء) بكسرِ المعجمةِ والمدِّ، و (بُعَاث) بضمِّ الموحَّدة وخفَّةِ المهملةِ وبالمثلَّثةِ، وعدم انصرافِهِ أشهر، اسمُ حصنٍ للأوسِ، وقعَ الحربُ عندَهُ بينهم وبينَ الخزرجِ، وكانَ بهِ مقتلةٌ عظيمةٌ، وانتصرَ الأوسُ على الخزرجِ، واستمرَّتِ المقتلةُ مئةً وعشرينَ سنةً، حتَّى جاءَ الإسلامُ فألَّفَ اللهُ تعالى بينَهم، ببركةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّم، هذا ما ذكرهُ جماعةٌ من الشُّرَّاحِ، وفي «المقاصدِ» : (واستمرَّتِ المقتلةُ مئةً وعشرينَ سنةً، حتَّى قدمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وصحبهِ وسلَّم، فألَّفَ اللهُ بينَهم بيُمنِ قدومِهِ، نزلَ قولُهُ تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال:63] ) انتهى، وفي «القسطلانيِّ» : (والمعتمدُ أنَّ وقعةَ بعاثٍ كانت قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنين) .
قولُهُ: (وَحَوَّلَ وَجْهَهُ) للإعراضِ عن ذلكَ لأنَّ مقامَهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ يقتضي أن يرتفعَ عن الإصغاءِ إليهِ، لكنَّ عدمَ إنكارِهِ يدلُّ على تسويغِ مثلِهِ؛ كذا في «القسطلانيِّ» .
قولُهُ: (فَانْتَهَرَني) أي: زجرَني، و (المِزْمار) بكسرِ الميمِ: من الزَّمرِ، وهوَ صوتٌ بصفيرٍ يطلقُ على الصَّوتِ الحسنِ، وعلى الغناءِ، وإضافتُها إلى الشَّيطانِ لأنَّها تلهي القلبَ عن ذكرِ اللهِ تعالى، وهذا من الصِّدِّيقِ إنكارٌ لما سمعَ، معتمدًا على ما تقرَّرَ عندَهُ من تحريمِ اللَّهوِ والغناءِ مطلقًا، ولم يعلم أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم أقرَّهنَّ على هذا القدرِ اليسيرِ لكونِهِ دخلَ فوجَدَهُ مضطجعًا، فظنَّهُ نائمًا، فتوجَّهَ لهُ الإنكارُ؛ كذا في «القسطلانيِّ» .
قولُهُ: (دَعْهُما) أي: الجاريَتينِ، وفي بعضِها إلى عائشة.
قولُهُ: (فَلَمَّا غَفَلَ) أي: أبو بكرٍ، (فَخَرَجتا) بفاءِ العطفِ، وفي بعضِها بدونِ الفاءِ، بدل أو استئناف.
قولُهُ: (وَكَانَ يَوْمَ) أي: قالت عائشةُ: كانَ ذلكَ، وهذا حديثٌ آخرُ، وجمعَهُ مع السابقِ بعضُ الرُّواةِ، وأفردَهما آخرون.
قولُهُ: (وَخَدِّي عَلَى خَدِّهِ) أي: حالَ كون خدِّي على خدِّهِ متلاصقين، و (هُوَ) أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِه وسلَّم، (يَقولُ) للسودانِ، (دُونَكُم) بمعنى الإغراءِ؛ أي: الزموا اللَّعبَ الذي أنتم فيهِ، و (أَرْفدَةُ) بفتحِ الهمزةِ وإسكانِ الراءِ وكسرِ الفاءِ وقد يفتح: جدُّ الحبشةِ الأكبر، و (مَلِلْتُ) بكسرِ اللامِ الأولى.
قولُهُ: (حَسْبُكِ) أي: يكفيكِ هذا القدرُ، بحذفِ همزةِ الاستفهامِ، بدليلِ (نعم) في الجوابِ، وقيلَ: لا حاجةَ إلى التقديرِ لأنَّ (نعم) تأتي لتصديقِ المخبرِ، ولا مانعَ من جعلِها هنا كذلكَ، وللنَّسائيِّ من روايةِ زياد بنِ رومانَ: ( «أما شبِعتِ؟» قالت: فجعلت أقولُ: لا، لأنظرَ منزلَتي عنهُ) ، وله من روايةِ أبي سلَمةَ عنها: قلتُ: يا رسولَ اللهِ؛ لا تعجل، قالت: وما بي حبُّ النَّظرِ إليهم، ولكن أحببتُ أن يبلغَ النِّساءَ مقامَهُ لي، ومكاني منهُ؛ كذا في «القسطلانيِّ» ، فإن قلت: قد اتُّفِقَ على أنَّ نظرَ المرأةِ إلى وجهِ الأجنبيِّ حرامٌ بالاتِّفاقِ، إذا كانَ بشهوةٍ، وبغيرِها على الأصحِّ، فكيفَ أقرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وصحبه وسلم عائشةَ على رؤيتِها للحبشةِ؟
أجيبُ: بأنَّها كانت تنظرُ إلى لعبِهم وحرابِهم، لا إلى وجوهِهم وأبدانهم، وقيلَ: كانَ هذا قبلَ نزولِ: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النُّور:31] ، وقبلَ بلوغِها رضيَ اللهُ تعالى عنها؛ كذا في «الكرماني» ، وفيهِ أيضًا:(اختلفوا في الغناءِ، فأباحهُ جماعةٌ من أهلِ الحجازِ، وحرَّمهُ أهلُ العراقِ، ومذهبُ الشافعيَّةِ كراهيته، وهو المشهور من مالكٍ، وقد أجازتِ الصحابةُ غناء
ص 234
العربِ، الذي هو الإنشادُ والتَّرنُّمُ، وأجازوا الحداء، وفعلوهُ بحضرتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبه وسلم، وهذا ومثله ليسَ بحرامٍ)انتهى.