فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 8133

في تعريف أصول الحديث، وموضوعه، ومصطلحات أهل الحديث وما يتعلَّق بها.

أصولُ الحديث: هو علمٌ بأصولٍ يُعرَفُ بِها أحوالُ حديث الرَّسول صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم مِن حيث صحَّة النَّقل عنه، وضعفه، وطرق التَّحمُّل والأداء.

وقيل: علم الإسناد ما يُبحَثُ فيه عن صحَّة الحديث أو ضعفه؛ ليُعمَل به أو ليُترك، مِن حيث صفات الرِّجال، وصِيَغ الأداء، ومآل الحدِّين واحد.

وموضوعه: حديث الرَّسول صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم؛ إذ البحثُ فيه إنَّما هو عَن عوارضه، وإن لم يكن بعضها ذاتيًّا، كذا في «جواهر الأصول» .

المتن: هو ألفاظ الحديث الَّتي يتقوَّم بها المعاني.

الحديثُ أعمُّ مِن أن يكون قولُ الرَّسول صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، أو الصَّحابة، أو التَّابعين، وفعلهم وتقريرهم، كذا قال السَّيِّد الشَّريف قُدِّس سرُّه في «الخلاصة» ، وذكر في شرح «الجوزيِّ» : السُّنَّة: إمَّا قولٌ أو فعلٌ، والسَّلف مُجمِعُون على إطلاقِ الحديث على ذلك كلِّه، انتهى.

أقول: لعلَّ هذا اصطلاحُ أهلِ الحديثِ خاصَّةً، وإلَّا ففي «التَّوضيح شرح التَّنقيح» : السُّنَّة تُطلَق على قول الرَّسول صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم وعلى فعله، والحديث يختصُّ بقوله.

الحديث المتواتر: ما يرويه عددٌ تحيل العادةُ تواطؤهم على الكذب مِن ابتدائه إلى انتهائه، وينضاف إلى ذلك أن يصحبَ خبرهم إفادة العلم لسامعه؛ كحديث: «مَن كَذَّب عليَّ متعمِّدًا» ، فنقل النَّوويُّ: أنَّه جاء عن مئتين مِنَ الصَّحابة.

والمشهور: وهو أوَّل أقسام الآحاد، ماله طُرُقٌ محصورةٌ بأكثر مِن اثنين؛ كحديث: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات» لكن إنَّما طرأت له الشُّهرة مِن عند يحيى بن سعيد، وأوَّل إسناده فردٌ، قاله الشَّيخ ابن حَجَر، وهو المستفيض على رأي جماعة مِن أئمَّة الفقهاء، ومنهم مَن قال: المستفيضُ يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعمُّ مِن ذلك، وقد يُطلَقُ المشهور على ما اشتُهِر على الألسنة، فيشتمل ماله إسنادٌ واحدٌ، بل قالو وله

ص 4

إسنادٌ أصلًا.

والصَّحيح: ما اتَّصل سندُهُ بنقل العدلِ الضَّابط عن مثله، وسَلِمَ عَن شذوذٍ وعلَّةٍ.

قال الطِّيبيُّ: ونعني بالمتَّصل: مَن لم يكن مقطوعًا بأيِّ وجهٍ كان، وبالعَدل: مالم يكن مستور العدالة ولا مجروحًا، وبالضَّابط: مَن يكون حافظًا ومتيقِّظًا؛ أي ليس بمغفَّلٍ، ولا ساهٍ، ولا شاكٍّ في حالتي التَّحمُّل والأداء.

قال الشَّيخ ابن حَجَر: المرادُ بالعدل: مَن له مَلَكةٌ تحمله على ملازمة التَّقوى والمروءة، والمراد بالتَّقوى اجتناب الأعمال السَّيِّئة مِن شركٍ، أو فسقٍ، أو بدعةٍ، والضَّبط؛ ضبط صدرٍ: وهو أن يثبت ماسَمِعَه بحيث يتمكَّن مِن استحضاره متى شاء، وضبطُ كتابٍ؛ وهو صيانة لديه منذ سمع منه وصحَّحه إلى أن يؤدي منه، انتهى.

والمراد بالسَّلامة عن الشُّذوذ: أن لا يكون العدل مخالفًا لِمَن هو أرجح منه حِفظًا أو عددًا مخالفةً لا يمكن الجمع، وبالعلَّة: ما فيه أسباب خفيَّة غامضةٌ قادحة.

قال في «المقاصد» : فإذا قيل هذا حديثٌ صحيح؛ فمعناه: أنَّه حديث اتَّصل سَنَدُهُ على ماذكرنا، ولا يلزم أن يكون مقطوعًا به في نفس الأمر، الجواز خطأ، وللضَّابط الثَّقة ونسيانه، كذا في «القسطلاني» ، وكذا إذا قيل: غير صحيح فمعناه: لم يصحَّ إسناده على الوجه المعتبر، لا أنَّه كَذَّب في نفس الأمر، بل يكون نازلًا عن درجاته، انتهى.

قال الطِّيبيُّ: ويتفاوت درجات الصَّحيح بحسب قوَّة شروطه، وأوَّل مَن صنَّف في الصَّحيح المجرَّد الإمامُ البخاريُّ، ثمَّ مسلمٌ، وكتاباهما أصحُّ الكتب بعد كتاب الله العزيز، وأمَّا قول الشَّافعيِّ رحمه الله تعالى: ما أعلم شيئًا بعد كتابه تعالى أصحُّ مِن «موطَّأ مالكٍ» فقبل وجود الكتابين الصَّحيحين، وأعلى أقسام الصَّحيح ما اتَّفقا عليه، ثمَّ ما انفردَ به البخاريُّ، ثمَّ ما انفرد به مسلمٌ، ثمَّ ما هو على شرطهما وإن لم يخرِّجا، ثمَّ ما هو على شرطِ البخاريِّ، ثمَّ ما هو على شرط مسلمٍ، ثمَّ ما صحَّحه غيرهما مِنَ الأئمَّة، فهذه سبعة أقسام، وما حُذِف سنده فيهما وهو كثيرٌ في تراجم البخاريِّ، قليلٌ جدًّا في «مسلم» ، فما كان فيه بصيغة الجزم؛ نحو: (قال فلان) و (فعل فلان) و (أمر) و (روى) ذكر معروفًا؛ فهو حُكمٌ بصحَّته، وما رُوِيَ مِن ذلك مجهولًا؛ فليس حكمًا بصحَّته، ولكنَّ إيراده في الكتاب الصَّحيح مشعرٌ بصحَّة أصله انتهى.

قال في «جواهر الأصول» : قال الحاكم: اختيارُ البخاريِّ ومسلمٍ ألَّا يُذكَر إلَّا ما رواه الصَّحابيُّ المشهور، وله راويان ثقتان فأكثر، كذلك في كلِّ درجة.

واعتُرِض عليه بإخراجهما حديث المسيَّب في وفاة أبي طالبٍ، ولم يرو عنه غير ابنه، ومثله فيهما كثيرٌ.

وأجيب: بأنَّ المراد بقوله: (راويان) أن يكون له راويان في نفسِ الأمر، يرويان عنه الأحاديث في الجملةِ، لا أن يشتركا في كلِّ حديثٍ، كما في رواة أئمَّة القراءة، انتهى.

قال القسطلانيُّ: والمختار أنَّه لا يُجزَم في سندٍ بأنَّه أصحُّ الأسانيد مطلقًا غير مقيَّدٍ بصحابيِّ تلك التَّرجمة؛ لعسر الاطِّلاع؛ إذ يُتوقَّف على وجودِ درجات القبول في كلِّ فردٍ مِن رواة السَّند المحكوم له، فإن قيَّد بصحابتها ساغ، فيقال: أصحُّ أسانيد أهل البيت: جعفر بن محمَّد عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه، إذا كان الرَّاوي عن جعفر ثقة.

وأصحُّ أسانيد الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه: إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم

ص 5

عن أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه، وأصحُّ أسانيد عمر رضي الله تعالى عنه: الزُّهريُّ عن سالمٍ عن أبيه عن جدِّه، وأصحُّ أسانيد أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: الزهري عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأصحُّ أسانيد ابن عمر رضي الله تعالى عنه: مالك عن نافعٍ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وأصحُّ أسانيد عائشة رضي الله تعالى عنها [ ... ] انتهى.

ثمَّ اعلم أنَّه قد يعرض للمفرِّق ما يجعله فائقًا؛ كما لو كان الحديث عند مسلمٍ مثلًا، وهو مشهور؛ فإنَّه يقدَّم ويرجَّح على الحديث الَّذي أخرجه البخاريِّ؛ إذا كان فردًا مُطلقًا، وكما لو كان الحديث الَّذي لم يخرِّجاه مِن ترجمة، ووُصفت بكونها أصحُّ الأسانيد؛ فإنَّه يقدَّم على ما انفرد به أحدهما مثلًا، لاسيَّما إذا كان في إسناده مَن فيه مقالٌ، كذا قال الشَّيخ ابن حجر في شرحه لـ «نخبة الفكر» .

والحسن: هو الصَّحيح بِعَينِه لا فرقَ بينهما، إلَّا أنَّ العدالة في الصَّحيح ينبغي أن تكون ظاهرةً، والإتقان كاملًا، وليس ذلك بشرطٍ في الحسن، ومِن ثمَّ احتاج إلى قيام شاهدٍ أو مشهورٍ ليُخبِرَ به، وهو حجَّةٌ كالصَّحيح وإن كان دونه، وهو الَّذي استعمله عامَّة الفقهاء، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو قولهم: هذا حديث حسنُ الإسناد أو صحيحُ الإسناد أقلُّ مرتبة مِن قولهم: حديثٌ صحيحٌ أو حسنٌ؛ إذ يمكن أن يصحَّ إسناده أو يَحسُن دون متنه؛ لشذوذٍ أو عِلَّةٍ، فلو قال هذا القول حافظٌ متقِنٌ، غير قادحٍ في المتن بالعلَّة والشُّذوذ؛ فالظَّاهر الحكم بصحَّته أو حسنه؛ إذ الغالب أنَّه لو كان فيه عِلَّة لبيَّنها، كذا في «المقاصد» و «القسطلانيِّ» .

قال الطِّيبيُّ: وقول التِّرمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، يريد أنَّه رُوِيَ بإسنادين؛ أحدهما: يقتضي الصِّحَّة، والآخر الحسن، أو المرادُ اللغويَّ؛ وهو ما تميل إليه النَّفس وتستحسنه، انتهى.

ويجوز أن يكون وصف الحديث بالحُسنِ والصِّحَّة؛ للتَّردُّد الحاصل مِنَ المجتهد في النَّاقل، هل اجتمعت فيه شروط الصِّحَّة أو قَصُرَ عنها، غاية ما فيه أنَّه حذف منه صرف التَّردد، لأنَّ حقَّه أن يقول: حسنٌ أو صحيحٌ، كذا في شرح «نخبة الفكر» ، للشَّيخ ابن حَجَر _نوَّر مرقده_ فعلى هذا، فما قيل فيه حسنٌ وصحيحٌ فوق ماله إسنادٌ واحدٌ؛ صحيح، كذا في شرح «منتخب نخبة الفكر» للفاضل عبد العزيز الأبهريِّ قُدِّس سِرُّه.

قوله: (دون الحسن) قال أبو داوود: ما كان في كتاب «السُّنن» مِن حديثٍ فيه، وهو شديد فقد بيَّنته، وما لم أذكر فيه شيئًا؛ فهو صالحٌ، وبعضها أصحُّ مِن بعضٍ.

والمضَّعَف: مالم يُجمَع على ضعفه بل في مَتنه أو سنده، وتضعيف بعضهم وتقوية للبعض الآخر، وهو مِن أعلى الضعيف، وفي «البخاري» منه، كذا في «القسطلانيِّ» .

والضَّعيف: ما لم يجتمع فيه شروط الصَّحيح والحسن، وتتفاوت درجاته في الضَّعف بحسب بُعدِه مِن شروط الصِّحة، ويجوز عند العلماء التَّساهل في أسانيد الضَّعيف دون الموضوع، مِن غير بيان ضعفه في المواعظ، والقصص، وفضائل الأعمال، لا في صفات الله تعالى، وأحكام الحلال والحرام.

وفي «جواهر الأصول» : الضَّعيف إذا كان موضوعًا؛ فلا يجوز العمل به إجماعًا، ثمَّ لو عَمِلَ أحدٌ بموضوع على تصوُّر صحَّته وثبوته، فتاب _لأنَّ الأعمال بالنِّيات_ ثمَّ بعد ذلك الرأي

ص 6

إن بَيَّن له ثقةُ وضعَه يجب عليه تركه، فإن عمل به بعد العلم بوَضعِهِ؛ يكون آثمًا فاسقًا به، وإن علم المحدِّث أنَّ أحدًا يعمل بموضوعٍ على ظنِّ الصِّحة أو الحسن؛ يجب عليه تبليغُ العلم وبيانُ الوضع؛ فإنَّ كتمان العلم حرامٌ انتهى.

والمسند: ما اتَّصل سنده مرفوعًا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم.

والمتَّصل: ما اتَّصل سنده سواء كان مرفوعًا إليه صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، أو موقوفًا.

والمرفوع: ما أضيف إليه صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم، مِن قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، متَّصلًا كان أو مُنقطعًا، ويدخل فيه المرسل، فالمتَّصل قد يكون مرفوعًا وغير مرفوع، والمرفوع قد يكون متَّصلًا وغير متَّصل، والمسند متَّصلٌ مرفوعٌ.

والموقوف: وهو مطلقًا رُوِيَ عن الصَّحابي مِن قولٍ أو فعلٍ، متَّصلًا كان أو منقطعًا.

قال الطِّيبيُّ: وهو ليس بحجَّة على الأصحِّ وإن اتَّصل، وقد يُستعمل في غير الصَّحابيِّ مقيَّدًا؛ نحو: وقفه مَعْمَر على همَّام، ووقفه مالكٌ على نافعٍ، وقول الصَّحابيِّ: كنَّا نفعله في زمن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم مرفوعٌ؛ لأنَّ الظَّاهر الاطِّلاع والتَّقرير.

والمرسل: قول التَّابعيِّ: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم كذا، وفعل كذا، وفي الاحتجاج به خلافٌ.

والمقطوع: ما جاء عنِ تابعيٍّ مِن قوله، أو فعله موقوفًا عليه، وليس بحجَّةٍ.

والمنقطع: مالم يتَّصل إسناده بأيِّ وجهٍ كان، سواء ترك ذكر الرَّاوي مِن أوَّل الإسناد أو وسطه أو آخره، ولو مِن مكانين أو أكثر، لكن بشرط عدم التَّوالي، أي: بحيث لا نريد كلَّ تركٍ منها على راوٍ واحدٍ، كذا في «القسطلاني» وشرحي «نخبة الفكر» وغيرها.

أقول: فيكون بين المنقطع والمتَّصل تباينٌ، فما وقع في «جواهر الأصول» مِن أنَّ المعضَل أخصُّ مطلقًا مِنَ المنقطع، ففيه تأمُّل، إلَّا أنَّ الغالب استعماله فيمَن دون التَّابعيِّ عنِ الصَّحابيِّ، كمالكٍ عن ابن عمر.

والمعضَل: بفتح الضَّاد، ما سقط مِن سنده اثنان فصاعدًا على التَّوالي، أي مِن مَوضِعٍ واحدٍ، كقول مالك: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، وقول الشَّافعيِّ: قال ابن عمر كذا.

والمعلَّق: ما سقط مِن مبادئ السَّند واحدًا وأكثر، فهو أعمُّ مِن المعضل، باعتبار كون السَّاقط واحدًا أو أكثر، وأخصُّ منه باعتبار اشتراط كون السَّاقط مِن مبادئ السَّند، ثمَّ مَن صُوَر المعلَّق والمعضل أن يُحذَف جميع السَّند، ويقال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، كذا في شرح «نخبة الفكر» و «القسطلانيِّ» .

والمُعنَعن: ما يقال في سنده: (فلان عن فلان) مِن غير لفظٍ صريحٍ بالسَّماع، أو التَّحديث والإخبار، أتى عن رواة مُسمَّين معروفين، والصَّحيح أنَّه متَّصلٌ إذا أمكن لقاء المعنعنِين مع البراءة مِنَ التَّدليس، وقد أُودع في «الصَّحيحين» ، قال ابن الصَّلاح: كَثُر في عصرنا وما قاربه استعمال (عن) في الإجازة، وإذا قيل: فلانٌ عن رجلٍ عن فلان، فالأقرب أنَّه منقطعٌ وليس بمرسلٍ.

والمدلَّس: بفتح اللام المشدَّدة، مِنَ الدَّلَس بفتح اللام؛ وهو اختلاطُ الكلام، والتَّدليس وهو الإخفاء ثلاثة أنواع:

الأوَّل: أن يُسقط اسم شيخه ومَن فوقه، فيُسنَد عنه ذلك بلفظ لا يقتضي الاتِّصال، بل بلفظٍ مُوهمٍ

ص 7

له، فلا يقول: (أخبرنا) وما في معناه، بل يقول: (عن فلانٍ) أو (قال فلانٌ) أو (أنَّ فلانًا) موهمًا بذلك أنَّه سَمِعَه ممَّن رواه عنه، وإنَّما كان تدليسًا إذا كان المدلِّس قد عاصر الَّذي روى عنه، أو لَقِيَه ولم يسمع منه، أو سَمِعَ ولم يسمع الَّذي دلَّس عنه، فلا يقبل ممَّن عرف بذلك؛ إلَّا إذا صرَّح بالاتِّصال كـ (سمعت) ، وفي «الصَّحيحين» مِن حديث أهل هذا القسم المصرَّح فيه بالسَّماع كثير، كالأعمش وقتادة، والثَّوريِّ، وما فيهما مِن حديثهم بالعنعنة ونحوها محمولٌ على ثبوتِ السَّماع عند المخرج مِن وجهٍ آخر، ولو لم تطَّلع عليه تحسينًا للظَّنِّ بمصاحِبي الصَّحيح.

والثَّاني: تدليس التَّسوية بأن يسقط ضعيفًا بين شيخهما الثِّقتين، فيستوي الإسناد كلُّه ثقات، وهو شرُّ التَّدليس، وكان بقيَّة بن الوليد أفعل النَّاس له.

والثَّالث: تدليس الشُّيوخ، بأن يسمِّي شيخه الَّذي جمع منه بغير اسمه المعروف، أو ينسبه، أو يصفه بما لم يشتهر به؛ تعميةً كيلا يُعرَف، وهو جائزٌ، لقصد تيقُّظ الطَّالب، واختياره ليبحث عن الدواة.

والمُدرَج: كلامٌ يذكر عقيب الحديث متِّصلًا يُوهِم أنَّه منه، أو يكون عنده مَتنان بإسنادين، فيرويهما بأحدهما، كرواية سعيد ابن أبي مريم: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا» أدرج ابن أبي مريم «ولا تنافسوا» مِن متنٍ آخر، أو يسمع حديثًا مِن جماعةٍ مختلفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم على الاتِّفاق، ولا يَذكر الاختلاف أو يسوقَ الإسناد، فيعرض له عارضٌ فيقول كلامًا مِن قِبَل نَفسِه، فيظنُّ بعض ما سمعه أنَّ ذلك الكلام مِن متن الحديثِ، فيرويه عنه كذلك، ويكون في المتن تارةً في أوَّله؛ كحديث أبي هريرة رضي [الله عنه] : «أسبغوا الوضوء» فإنَّ أبا القاسم قال: «ويل للأعقاب مِنَ النَّار» فـ (أسبغوا) مِن قول أبي هريرة، والباقي مرفوعٌ، ولا يجوز الإدراجُ تعمُّدًا.

والعالي: خمسة؛ المطلق، وهو القرب الَّذي ينتهي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم بعددٍ قليلٍ بالنِّسبة إلى سَنَدٍ آخر، يرد لذلك الحديث بعينه بعددٍ كثير، أو بالنسبة إلى مُطلَق الأسانيد، والقرب الَّذي ينتهي إلى إمامٍ مِن أئمَّة الحديث ذي صفةٍ عالية كالحفظ والضَّبط، كمالكٍ والشَّافعي رحمهما الله تعالى، والقرب بالنسبة كرواية الشَّيخين، وأصحاب السُّنن، والعلوُّ يتقدَّم وفاة الرَّاوي، سواء كان سماعه مَعَ المتأخِّر الوفاة في آنٍ واحدٍ أو قبله، والعلوُّ يتقدَّم السَّماع، فمَن تقدَّم سماعه مِن شيخٍ أعلى ممَّن سَمِعَ مِن ذلك الشَّيخ نفسه بعده، والنَّازل كالعالي بالنِّسبة إلى ضدِّ الأقسام العالية، كذا في «القسطلانيِّ» .

والمسلسل: ما تتابع فيه رجال الإسناد إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم عند رؤيته على حالةٍ واحدةٍ، ومِن فضيلته اشتماله على مزيد الضَّبط، وينقسم ذلك إلى ما يكون صفة للرِّواية والتَّحمُّل، وإلى ما يكون صفةً للرُّواة أو حالة لهم، مثال الأوَّل: ما يتسلسل بـ (سمعت فلانًا قال: سمعت فلانًا) ، إلى آخر الإسناد، ومِن ذلك: أخبرنا والله فلان قال: أخبرنا والله فلان قال: أخبرنا والله فلان قال: أخبرنا والله فلان ... إلى آخره.

ومثال الثَّاني: إسناد حديث «اللَّهمَّ أعنِّي على شُكرِكَ

ص 8

وذكرك وحُسنِ عبادتك» ففي رواية أبي داوود وأحمد والنَّسائيِّ، قال الرَّاوي: أخذ رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم بيدي فقال صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم: «إنِّي لأحبُّك، فقل: اللهمَّ أعنِّي ... » إلى آخره، وللتَّسلسل أنواعٌ كثيرة، النَّاسخ والمنسوخ: الحديث الَّذي دلَّ على رفع حكمٍ شرعيٍّ؛ هو ناسخٌ، والَّذي رُفِعَ حُكمه؛ فهو منسوخٌ، فمنه مَن ما يُعرَف بالنَّصِّ؛ نحو: «كنت نهيتكم عن زيارةِ القبور فزوروها» ، أو بقولِ الصَّحابيِّ، أو بالتَّاريخ.

مختلف الحديث: هو أن يوجد حَدِيثَان متضادَّان في الظَّاهر، فيُجمَعُ بينهما إن أمكن، وإلَّا فإن عُلِمَ حينئذٍ النَّاسخُ قُدِّمَ، وإلَّا عُمِلَ بالرَّاجح منهما.

والعزيز: ما لا يرويه أقلُّ مِن اثنين عن اثنين، سُمِّي بذلك إمَّا لقلَّة وجوده، وإمَّا لكونه عزَّ؛ أي: قوي بمجيئه مِن طريقٍ آخر.

والغريب والفرد مترادفان: وهو ما تفرَّد بروايته شخصٌ واحدٌ، فِي أيِّ موضعٍ وقع التَّفرد بِه مِنَ السَّند، فإن كان التَّفرُّد في أصل السَّند؛ أي: في الطرف الَّذي فيه الصَّحابيُّ، بأن يرويه تابعيٌّ واحدٌ عن صحابيٍّ، ولم يتابعه غيره في روايةٍ عن ذلك الصَّحابيِّ، سواء تعدَّد الصَّحابيُّ في تلك الرِّواية أو لا، سُمِّي فردًا مُطلقًا، كحديث النَّهي عن بيع الولاء، وعن هِبَتِهِ، حيث تفرَّد به عبد الله بن دينارٍ عن ابن عُمَر، وإن لَم يكن التَّفرُّد فِي الطَّرف الَّذي فيه الصَّحابيُّ، كأن يرويه عنِ الصَّحابيِّ أكثر مِن واحدٍ، ثمَّ يتفرَّد بروايته عن أحدٍ منهم شخصٌ واحدٌ سُمِّيَ فردًا نسبيًّا، وقد يستمرُّ التَّفرد في جميع رواته أو أكثر.

والمعلَّل: ما فيه أسبابٌ خَفِيَّةٌ غامضةٌ قادحةٌ في الصِّحَّة، والظَّاهرُ السَّلامة، ويستعان على إدراكها بتفرُّد الرَّاوي ومخالفة غيره له ممَّن أَحفظ وأضبط وأكثر عددًا، وعدم المتابعة مَعَ قرائن تُنَبِّه على وهمه في وصل مُرسلٍ، أو رَفعِ موقوفٍ، أو إدراج حديثٍ في حديث، ومعرفةُ هذا مِن أغمض أنواع علوم الحديث، لا يعرفه إلَّا مَن له معرفةٌ تامَّةٌ بمعرفة الرَّواة.

والشَّاذ: ما خالف الرَّاوي الثَّقة مَن هو أرجحُ منه حِفظًا أو عددًا، بزيادةٍ أو نقصٍ، فيظنَّ أنَّه وَهم فيه.

والمحفوظ مقابل الشَّاذِّ؛ أعني: ما خالف الرَّاوي مَن هو مرجوحٌ منه.

والمنكر: ما يرويه مَن كَثُرَ غلطه أو غفلته عنِ الإتقان، أو ظهر فِسقُهُ بالفعل أو القول ممَّا لم يبلغ الكُفْرَ.

والمضطرب: ما رُوِيَ على أَوجُهٍ مختلفةٍ متدافعةٍ مِن غير ترجيحٍ لواحدٍ منها، بل على التَّساوي في الاختلاف مِن راوٍ واحد، بأن رُوِيَ مرَّة على وجهٍ، وأخرى على آخر مخالفٌ له، أو بأن يضطرب فيه راويان فأكثر، ويكون في سند رواته ثقاتٌ، كحديث: «شيَّبتني هود» ، فإنَّه اختلف فيه عن أبي إسحاق، فقيل: عنه عن عكرمة، وقيل: عنه عن البراء عن أبي بَكرَةَ، وقيل: عنه عن أَبِي مَيسرة عن أبي بَكرٍ، وقيل: عن عامر بن سعيد البجليِّ عن أبي بكرٍ، والاضطراب يقع في الإسنادٍ غالبًا، وقد يقع في المتن، لكن قلَّ أن يَحكُم المحدِّث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد، كذا في شرح «نخبة الفكر» .

والموضوع: هو الكذب على رسول الله

ص 9

صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، ويحرم روايته مَعَ العلم به إلَّا مقرونًا ببيانِ الوضع؛ لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَن حدَّث عنِّي بحديثٍ يرى أنَّه كَذِبٌ، فهو أحد الكاذبين» ، أخرجه مسلمٌ، ويحرم العملُ به مطلقًا، ويعرف بإقرارِ واضعِه، أو رَكَاكة ألفاظه ومعانيه، وروينا عن الرَّبيع بن خثيم [1] التَّابعيِّ الجليل أنَّه قال: للحديث ضوء كضوء النَّهار يُعرف، وظلمة كظلمة الليل، وقد يعرف بأن يكون المرويُّ مناقضًا لنصِّ القرآن أو السُّنة المتواترة، أو الإجماعِ القطعيِّ، أو صريحِ العقل، حيث لا يُقبَلٌ شيءٌ مِن ذلك التَّأويل، ثمَّ المرويُّ تارةً يخترعه الواضع، وتارةً يأخذ كلام غيره، كبعض السَّلف الصَّالح وقدماء الحكماء، والإسرائيليَّات، أو يأخذ حَديثًا ضعيف الإسناد فيركِّب له إسنادًا صحيحًا؛ ليروِّج، كذا في شرح «نخبة الفكر» .

والكذب على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حرامٌ، مِن أكبر الكبائر بإجماع المسلمين، سواءٌ كان في الأحكام، أو في التَّرغيب والتَّرهيب، خلافًا للكرَّاميَّة المبتدعة؛ فإنَّه يجوِّزون الوضع في التَّرغيب والتَّرهيب، وتابعهم عليه كثيرون مِنَ الجهلة قائلين: أنَّه كَذِبٌ له لا عليه، جهلًا منهم لكلام العرب، متمسِّكين بِما جَاء في روايةٍ أُخرى في هذا الحديث «مَن كذب عليَّ متعمِّدًا ليضلَّ به؛ فليتبوَّأ مقعده مِنَ النَّار» .

وأجيب: بأنَّ قوله: (ليضلَّ به) زيادةٌ باطلة، نصَّ عليه الحفَّاظ، ولئن سُلِّم فاللام فيه للصَّيرورة والعاقبة لا للتَّعليل، واختلفوا في: أنَّه هل يكفر عامد هذا الكذب مِن غير أن يستحلَّه؟ فعندَ الجمهور في المشهور: أنَّه لا يَكفُر، وقال الجونيُّ: يكفُر، وقال الذَّهبيُّ: إن كان في الحلالِ والحرام؛ يكفر إجماعًا، وإن كان في التَّرغيب والتَّرهيب؛ يكفُرُ عند الجمهور، كذا في «جواهر الأصول» .

والمقلوب قسمان؛ أحدهما: أن يكون مشهورًا براوٍ، فيجعل مكانه راوٍ آخر في طبقته؛ ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا فيه، والثَّاني: أن يُؤخَذَ إسناد مَتنٍ فيجعَل على مَتن آخر، ومتنِ هذا فيجعل له إسناد آخر لقصدِ امتحان حفظِ المحدِّث، كقلب أهل بغداد على البخاريِّ مئة حديثٍ امتحانًا، فردَّها على وجوهها.

والمنقلب: ما ينقلب بعض لفظه على الرَّاوي فيتغيَّر معناه، كحديث البخاريِّ في (باب رحمة الله قريب مِنَ المحسنين) عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة رفعه: «اختصمت الجنَّة والنَّار إلى ربِّهما ... » الحديث، وفيه: «ينشئ للنِّار خلقًا» صوابه كما رواه في موضعٍ آخر مِن طريق عبد الرَّزاق عن همَّامٍ عن أبي هريرة، بلفظ: «فأمَّا الجنَّة فينشئ الله تعالى خلقًا» فسبق لفظ الرَّاوي مِنَ (الجنَّة) إلى (النَّار) وصار منقلبًا، وكذا جَزَم ابن القيِّم بأنَّه غلطٌ، ومال إليه البلقيني [2] ، حيث أنكر هذه الرِّواية، واحتجَّ بقوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] ، كذا في «القسطلانيِّ» .

والمدبَّج: بالمدِّ وحدة الجيم، رواية القَرِنَين المتقاربين في السِّنِّ وإسناد أحدهما مِنَ الآخر، كرواية كلٍّ مِنَ الصحابيِّ عنِ الآخر، كَأَبِي هُرَيرة رضي الله تعالى عنه وعائشة رضي الله عنها عن الآخرِ، وكرواية تابعيِّ مثله، كالزهريِّ وعمر بن عبد العزيز، وكذا مَن دونهما.

والمصحَّف: ما تغيَّر اللَّفظ بتغيُّر الحروف أو حركاتها، أو هو قد يكون في الرَّاوي، كحديث شعبة عن العوَّام

ص 10

بن مراجم؛ بالرَّاء والجيم، صحَّفه يحيى بن معين، فقال: مزاحم بالزَّاء والحاء المهملة، وقد يكون في الحديث؛ كقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَن صام رمضان وأتبعه سِتًّا مِن شوَّال كان كصيام الدَّهر» ، صحَّفه بعضهم فقال: (شيئًا) بالشِّين المعجمة.

[1] في الأصل: (خيثم) .

[2] في الأصل: (البلقيسي) ، وهو تحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت