قوله: (كُلَّهُ) أي: غالبًا لئلَّا يخالف أمر من قوله: ما استكمل صيام شهرٍ إلَّا رمضان، وقيل: كان يصوم شعبان كلَّه في وقتٍ وبعضه في وقتٍ، وقيل: الحديث محمولٌ على حذف أداة الاستثناء، والمستثنى؛ أي: إلَّا قليلًا منه في شعبان، فإنَّه يصومه كلَّه إلَّا قليلًا، فإن قلت: قد ورد في حديث مسلم: «إنَّ أفضل الصِّيام بعد رمضان المحرَّم» فكيف يكون صيامه عليه الصَّلاة والسَّلام أكثر في شعبان؟ قيل: التَّمكُّن من صومه، أو لعلَّه كان يعرض له أعذار تمنع من إكثار الصَّوم فيه؛ كذا في «القسطلانيِّ» .
ثُمَّ أقول: قد ورد في الصِّحاح نهي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم عن صيام رجب كلِّه، والظَّاهر أنَّ النَّهي راجعٌ إلى مجموع الشَّهر وتمامه لا إلى كلِّ يومٍ منه، لئلَّا يخالف ما جاء في «الصَّحيحين» : «صوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ صوم الدَّهر» ، «صم كلَّ شهرٍ ثلاثة أيَّام» ، وما في «مسلمٍ» عن معاذة العدويَّة أنَّها سألت عائشة: أكان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم يصوم من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّام، وكان لا يدع صوم أيَّام البيض في سفرٍ ولا في حضر، ثمَّ ما روي في فضل صيام رجب، أو تضعيف الجزاء على صيامها فكلُّه موضوع، وقال المحقِّق مجدُ الدِّين صاحب «القاموس» في سفر السَّعادة: وما يفعله العوامُّ من صيام الأشهر الثَّلاثة لم يرد
ص 385
فيه شيءٌ، بل ورد نهيٌ عن صيام رجب، وقال السُّيوطيُّ: من صام رجب يومًا فله كذا، أو ثلاثة أيَّامٍ فله كذا، أو يومين فله كذا إلى آخر الشَّهر، موضوعٌ لا يحتجُّ به أصلًا ولا يعمله.
قوله: (لا يَمَلُّ) بفتح التَّحتيَّة والميم، والملل السَّآمة؛ أي: لا يعاملكم معاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه وفضله، (حَتَّى تَمَلُّوا) أي: تقطعوا أعمالكم، وقيل معناه لا تتكلَّفوا حتَّى تملُّوا فإنَّ الله عزَّ وجلَّ منزَّهٌ عن الملالة، ولكنَّكم تملُّون قبول فيض الرَّحمة.
قوله: (دَوام عَلَيها) في الإدامة فوائد منها تخليق النَّفس واعتبارها، ولله درُّ القائل: هي النَّفس ما عوَّدتها تتعوَّد، والمواظب يتعرَّض لنفحات الرَّحمة، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «إنَّ لربِّكم في أيَّام دهركم نفحات ألا فتعرَّضوا لها» ؛ كذا في «القسطلانيِّ» .