قولُهُ: (حَتَّى يُهِمُّوا) من الوهم، وفي بعضِها: من الهمِّ؛ وهو القصدُ والحزنُ معروفًا ومجهولًا، وفي «صحيح [1] مسلمٍ» : «يهتمُّوا» أي: يعتنون بسؤال الشَّفاعة وإزالة الكرب؛ كذا في «الكرمانيِّ» .
وقال القسطلانيُّ في (يُهِمُّوا) : بضمِّ أوَّله وكسر الهاء، ولأبي ذرٍّ بفتح الياء وضمِّ الهاء: يحزنوا بذلك الحبسِ.
قولُهُ: (لَوِ اسْتَشْفَعْنَا) (لو) للتَّمنِّي، أو جوابُهُ محذوفٌ؛ أي: لو طلبْنا من يشفع لنا إلى ربِّنا، و (يُرِيحُنا) من الإراحة، و (لَسْتُ هُنَاكَ) أي: لسْتُ أهلًا لذلك، ولسْتُ في هذه المنزلةِ، و (الَّتِي اَصَابَ) أيِ: التي أصابَها، و (أَكْلَ) منصوبٌ بأنَّه بدلٌ أو بيانٌ للخطيئة.
قال القاضي: هذا يقولونه تواضُعًا وتعظيمًا لما يُسأَلونه، وإشارةً إلى أنَّ هذا المقامَ لغيرِهم، ويحتمل أنَّهم عَلِموا أنَّ صاحبَها مُحمَّدٌ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، وتكون إحالةُ كلِّ واحدٍ منهم على الآخر؛ ليصلَ بالتَّدريج إلى مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم [2] ؛ إظهارًا لفضيلتِهِ.
قولُهُ: (فِي دَارِهِ) قيل: أي: تحتَ عرشِهِ أو مقامٌ آخرُ، والإضافةُ للتَّشريف؛ كما يُقال للكعبة: بيتُ الله، وقيل: المُرادُ بدارِهِ الجنَّةُ، واعتُرِض عليه في «فيض الباري»
ص 953
بأنَّه يأباهُ قولُهُ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فأخرج ثمَّ أعود الثَّانية» ؛ لأنَّ المُرادَ فأخرج عن دارِ ربِّي وأُدخِلهم الجنَّة، ثمَّ أعود إلى دار ربِّي؛ لما احتيج إلى قولِهِ: (ثمَّ أعود) لأنَّه جاء إلى الجنَّة وأدخلَهم فيها، فلا يحتاج إلى العَود إلى الجنَّة.
قولُهُ: (وَقَعْتُ سَاجِدًا) في «مُسنَد أحمدَ» أنَّ هذه مقدارُ جمعةٍ من أيَّام الدُّنيا؛ كذا في «الزَّركشيِّ» .
قولُهُ: (فَيَحُدُّ لِي) أي: يعيِّن لي طائفةً مُعيَّنةً، و (قَدْ سَمِعْتُهُ) أي: أنسًا أيضًا، و (وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ) بضمِّ الواو وكسر العين؛ كذا في «القسطلانيِّ» ، وهذه الشَّفاعةُ الكبرى، وهي الموعودةُ.
والحاصلُ: أنَّه صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم يشفع أوَّلًا للعامَّة؛ وهي الإراحةُ من الموقف، ثمَّ يشفع ثانيًا وثالثًا ورابعًا [3] لطوائفَ، ومرَّ قريبًا في (باب قول الله عزَّ وجلَّ: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75] ) .
قولُهُ: (فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ) قيل: المُرادُ بالنَّار الحبسُ والكربةُ، وما كان فيه المؤمنون من المَشقَّة ودنوِّ الشَّمس إلى رؤوسِهم، والعرق المُلجِم، فيكون آخرُ الحديثِ مُوافِقًا لأوَّلِهِ.
وقيل: لعلَّ المؤمنين صاروا فرقتين؛ فرقةٌ سبقَتْ إلى النَّار من غير توقُّفٍ، وفرقةٌ حُبِسَتْ في المحشر، فاستشفعوا بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وخلَّصَهم ممَّا هم فيه وأدخلَهمُ الجنَّةَ، ثمَّ شرعَ في شفاعةِ الدَّاخلين في النَّار زمرًا بعد زُمَرٍ؛ كما دلَّ عليه آخرُ الحديثِ، ففيه اختصارٌ كما هو حلية التَّنزيل؛ كذا في «مُختَصَر الطِّيبيِّ» .
[1] في (أ) : (الصَّحيح) .
[2] زيد في (أ) : (وتكون إحالةُ كلِّ واحدٍ منهم على الآخر؛ ليصلَ بالتَّدريج إلى مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وهو تكرارٌ.
[3] في (أ) : (وأربعًا) ، والمثبت من المصادر.