فهرس الكتاب

الصفحة 1875 من 8133

1420 - قولُهُ:(فِراسٍ)بكسرِ الفاءِ وتخفيفِ الرَّاءِ آخرُهُ سينٌ مهملةٌ.

قولُهُ: (لُحُوقًا) أي: بالموتِ، نقلَ الزمخشريُّ عن سيبويه في «سورةِ لقمان» : أنَّ (أيًّا) مثل (كلِّ) في أنَّ إلحاقَ التاءِ لها غير فصيحٍ، فلا يرد أن يقالَ: الظ أيَّتنا بالتأنيثِ.

قولُهُ: (يَذْرَعُونَها) أي: يقدِّرونها بذراعِ كلِّ واحدةٍ؛ كي يعلمنَ أيُّهنَّ أطولُ بجارحة، وتذكيرُ الضَّميرِ باعتبارِ معنى الجمعِ، وتعظيمِ شأنهنَّ؛ كقولِهِ تعالى: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم:12] ، وكقولِ الشَّاعرِ:

وإن شئتِ حرَّمتُ النِّساءَ سواكم

قولُهُ: (فكانت سَودَة) بفتحِ السِينِ، (أطولُهنَّ يدًا) أي: بطريقِ المساحةِ.

قولُهُ: (بَعْدُ) أي: بعدَ أن تقرَّرَ كونُ سودة أطولهنَّ يدًا بالمساحةِ.

قولُهُ: (أنَّما كانَتْ) بفتحِ الهمزةِ؛ في موضعِ المفعولِ لـ (علمنا) ، (طولَ يدِها) خبر كان متقدِّم على اسمها؛ أعني (الصَّدقة) أي: علمْنا أنَّه صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم أرادَ بطولِ اليدِ الصَّدقة.

واستشكل هذا: إنَّما ثبتَ مِن تقدُّمَ وفاةِ زينب على وفاةِ سَودةَ رضيَ اللهُ تعالى عنها.

وأجيب: بأنَّ الضَّميرَ في (وكانت) في الموضعينِ عائدٌ على الزَّوجةِ الَّتي عناها صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم بقولِهِ: (أطولُكنَّ يدًا) لا سودة؛ لقيامِ الدَّليلِ على أنَّها زينب؛ كما في «مسلم» : من طريقِ عائشةَ رضيَ اللهُ تعالى

ص 302

عنها: فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنَّها كانت تعملُ وتتصدَّقُ، مع اتِّفاقهم على أنَّها أوَّلُهنَّ موتًا، وهذا من إضمارِ ما لا يصلح غيرهُ؛ كقولِهِ تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص:32] ، لكن يرد هذا ما وقعَ من التَّصريحِ بسودةَ عندَ المؤلِّفِ في «تاريخِهِ الصَّغيرِ» : عن موسى بنِ إسماعيلَ بهذا السَّندِ، بلفظِ: وكانت سودة سرعًا، وقيلَ في توجيهِ الجمعِ بين روايَتَي البخاريِّ ومسلمٍ: بأنَّ زينب لم تكن حاصرةً وقت خطابِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام، بذلكَ فالأوليَّة لسودةَ باعتبارِ من حضر إذ ذاكَ، وردَّ بما رواهُ ابنُ حِبَّان من روايةِ يحيى بن حمَّاد: إنَّ نساءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم اجتمعنَ عندَهُ، فلم يغادر منهنَّ واحدة، وقيل: إنَّهُ في روايةِ أبي عوانة وهمًا، وقالَ ابنُ دحية: هذا الحديثُ، وإن صحَّ إسنادُهُ، لكنَّهُ وهم بلا شكٍّ، وكأنَّهُ سقطَ منه ذكرُ زينب، فإنَّه لا خلافَ بين أهلِ السِّيَرِ أنَّها كانت أوَّلُهنَّ موتًا، وكذلكَ أخرجَه مسلمٌ، وقالَ النَّوويُّ: إنَّه الصَّوابُ، ووقعَ من البخاريِّ بلفظِ مقعد يوهمُ أنَّ أسرَعهُنَّ لحوقًا سودة، وهذا الوهمُ باطلٌ بالإجماعِ، هذا كلُّهٌ في «القسطلانيِّ» .

أقولُ: يمكنُ أن يكونَ مرادُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم بقولِهِ: (أطولكنَّ يدًا) زينب وسودة كليهما، على طريقِ عمومِ المجازِ، أو الجمعِ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، على اختلافِ المذهبينِ، إن صحَّ ما قالَ بعضُ المؤرِّخين: إنَّ سودةَ توفِّيتْ بعدَ زينب، ويكون معنى قولِهِ: (فعلمنا بعد أنما كانت طولُ يدِها الصَّدقة) علمنا بعد أن تقرَّرَ كونُ سودةَ أطولهنَّ يدًا مساحةً حينَ توفِّيت زينب وسودةُ بعدَها أنَّ المرادَ بطولِ اليدِ ما يشملُ الصَّدقةَ، لا الصَّدقةَ فقط، ولا ينافي هذا المعنى كونُ كلمة (إنَّما) للحصرِ؛ لكونِ الصَّدقة الأطول اليد؛ لأنَّ ليس طول اليدِ إلَّا الصَّدقة، لكن يُشكلُ ما رواهُ الحاكم في (المناقب) من «مستدركِهِ» ولفظُهُ: قالت عائشةُ: (فكنَّا إذا اجتمعنا في بيتِ إحدانا، بعد وفاةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم؛ نمدُّ أيدينا في الجدارِ نتطاولُ، فلم نزل نفعلُ ذلكَ حتَّى توفِّيت زينبُ بنتُ جحشٍ، وكانت امرأةً قصيرةً، ولم تكن أطولَنا، فعرفنا [ح] أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم إنَّما أرادَ بطولِ اليدِ الصَّدقةَ) ، اللَّهمَّ إلَّا أن يقالَ: إنَّ عائشةَ رضيَ اللهُ تعالى على موتِ بقيَّةِ الأزواج، وأمَّا بعدَهُ فلعلَّها رجعت عن هذا المعنى، وحملت طولَ اليدِ على الجارحةِ والصَّدقةِ، وأيضًا يمكنُ أن يقالَ: لعلَّ سودةَ كانت مثلَ زينب في الخيرِ والصَّدقةِ، [فح] لو حمِلَ طولُ اليدِ على الصَّدقةِ؛ كانَ المرادُ بـ (أطولكنَّ) أيضًا كليهما، فيجوزُ أن يكونَ الضَّميرُ في (وكانت أسرعنا) (وكانت تحبُّ الصَّدقةَ) راجعًا إلى سودة، وإنَّما تكلَّفنا في هذا الموضعِ؛ لئلَّا يلزم التَّناقضُ في رواياتِ «البخاريِّ» ، و «مسلم» ، و «التَّاريخِ الصغيرِ» للمؤلِّفِ، وغيرِها من الكتبِ؛ فليُتأمَّل، وأنتَ تعلمُ أنَّهم يتكلَّفونَ في دفعِ التَّناقضِ أكثرَ من هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت