و (عُبادة) بضمِّ المهملةِ وتخفيفِ الموحَّدةِ.
قوله: (شهد بدرًا) أي: حضرَ وقعتَها، و (بدر) ماءٌ معروفٌ بين مكَّةَ والمدينةَ، وهوَ موضعُ الغزوةِ الأولى، وهذا من كلامِ أبي إدريسَ أو الزُّهريِّ، وكذا قوله: (أحد النُّقباء) جمعُ نقيبٍ، وهو النَّاظرُ على القومِ وعريفُهم، والمرادُ: نقباءُ الأنصارِ، كانوا اثني عشرَ رجلًا.
(ليلة العقبة) أي: العقبةُ الَّتي تُنسَبُ إليها جمرةُ العقبةِ، وهي بمنى.
ص 38
اعلمْ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِه وسلَّمَ كان يعرضُ نفسَه على قبائلِ العربِ في كلِّ موسمٍ، وبينا هوَ عندَ العقبةِ؛ إذ لقيَ رهطًا من الخزرجِ، فقال: «ألا تجلسونَ أكلِّمُكُمْ؟» قالوا: بلى، فجلسوا فدعاهم إلى اللهِ تعالى وعرضَ عليهم الإسلامَ وتلا عليهم القرآنَ، وقد سمعُوا من اليهودِ أنَّ نبيَّ آخرِ الزَّمانِ قد أطلَّ زمانُه، فقالَ بعضُهم لبعضٍ: واللهِ إنَّه كذلكَ، فلا يسبقُ اليهود عليكم، فأجابوه، فلمَّا انصرفوا إلى بلادِهم وذكروهُ لقومِهم؛ فشاءَ أمرُه صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِه وسلَّمَ فيهم، فأتى في العامِ المقبلِ اثنا عشرَ رجلًا إلى الموسمِ من الأنصارِ، أحدُهم عُبادَةُ، فبايعوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ عندَ العقبةِ بيعةَ النِّساءِ المشارِ إليها في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [الممتحنة:12] الآية، وهي بيعةُ العقبةِ الأولَى، ثمَّ انصرفوا وخرجَ في العامِ القابلِ سبعونَ رجلًا منهم إلى الحجِّ، فواعدهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآله وصحبِه وسلَّمَ العقبةَ أوسطُ أيَّامِ التَّشريقِ.
قوله: (كعب بن مالك) لمَّا كانت اللَّيلةُ الَّتي وُعِدنَا فيها؛ بتنا أوَّلَ اللَّيلِ من قومنا، فلمَّا استثقل النَّاسُ منَ النَّومِ؛ تسلَّلنا من فُرُشِنا حتَّى اجتمعنَا بالعقبةِ فأتانا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِه وسلَّمَ مع عمِّهِ العبَّاس لا غير، فقال العبَّاسُ: معشرَ الخزرجِ إنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّمَ منَّا حيثُ علمتُمْ، وهوَ في منعةٍ ونصرةٍ من قومِه وعشيرتِه، وقد أبى إلَّا الانقطاعَ إليكم، فإن كنتم وافينَ بما وعدتُموه؛ فأنتم وما تحمَّلتُم، وإلَّا فاتركُوه في قومهِ، فتكلَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِه وسلَّمَ داعيًا إلى اللهِ تعالى مرغِّبًا في الإسلامِ تاليًا من القرآنِ، فأجبناه بالإيمانِ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وآله وصحبِه وسلَّمَ: «إنِّي أبايعُكُم على أنْ تمنعوني ممَّا منعتُمْ بهِ أبناءَكُمْ» ، فقلنا: ابسطْ يدكَ نبايِعُكَ عليه، فقال صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم: «أخرجُوا إليَّ منكُم اثني عشرَ نقيبًا» فأخرجنا من كلِّ فرقةٍ نقيبًا، وكان عُبادَةُ نقيبُ بني عوفٍ، فبايعوهُ، وهذه بيعةُ العقبةِ الثَّانيةِ، وهاتانِ البيعتانِ قبلَ الهجرةِ.
وله صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبِه وسلَّمَ بيعةٌ ثالثةٌ، وهي الَّتي وقعتْ بالحديبيةِ تحتَ الشَّجرةِ، تُسمَّى: بيعةُ الرُّضوانِ، وهذهِ بعدَ الهجرةِ عندَ توجُّهِه من المدينةِ إلى مكَّةَ، وعُبادَةُ شهدَها أيضًا، فهوَ من المبايعينَ في الثُّلاثِ.
قوله: (أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال في الفتح) سقطَ قبلها منْ أصلِ الرِّوايَةِ لفظةُ: (قالَ) وهوَ خبرُ (أنَّ) ؛ لأنَّ قولَه: (وكانَ) وما بعدَها معترضٌ، وقد جرت عادةُ كثيرٍ من أهلِ الحديثِ بحذفِ: (قالَ) خطأً، لكنْ حيثُ يتكرَّرُ في مثلِ: قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِه وسلَّمَ، ولا بدَّ عندَهم مع ذلكَ من؟؟؟ بها.
وقدْ ثبتَتْ في روايةِ المصنِّفِ لهذا الحديثِ بإسنادِه هذا في بابِ: (من شهدَ بدرًا) ، فلعلَّها سقطَتْ هنا ممَّن بعدَه، ولأحمدَ عن أبي اليمانِ بهذا الإسنادِ: أنَّ عُبادَةَ حدَّثَهُ.
قوله: (وحوله عصابة) الجملةُ حالٌ من ضميرِ (قال) ، و (العصابة) بكسرِ العينِ: الجماعةُ من النَّاسِ ما بينَ العشرةِ إلى الأربعينَ.
قوله: (بايعوني) المبايعةُ: المعاقدةُ والمعاهدةُ، سُمِّيَت بذلكَ تشبيهًا
ص 39
بالمعارضةِ الماليَّةِ، كأنَّ كلَّ واحدٍ يعطي مَا عندَه صاحبَه، فمن طرفِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ وعدُ الثَّوابِ، ومنْ طرفِهم التزامُ الطَّاعةِ.
وقدْ يُعرَف بأنَّها عقدُ الإمامِ العهدَ بما يأمرُ النَّاسَ بهِ.
قوله: (ببهتانٍ) البهتانُ الكذبُ الَّذي يُبهِتُ سامعَهُ؛ أي: يدهِشُه لفظاعَتِهِ، كالرَّمي بالزِّنا.
قوله: (بين أيديكم وأرجلكم) أي: منْ قِبَلِ أنفسِكُم، واليدُ والرِّجلُ كنايةٌ عن الذَّاتِ؛ لأنَّ معظمَ الأفعالِ تقعُ بهمَا.
قوله: (في معروفٍ) هو مَا عُرِفَ من الشَّارعِ حسنُه نهيًا أو أمرًا.
قوله: (فمن وفَّى) أي: ثبتَ على العهدِ، بتخفيفِ الفاءِ وتشديدِها.
قوله: (فهو كفَّارة) أي: العقابُ، كإقامةِ الحدِّ في الزِّنا والسَّرقةِ كفَّارةٌ، فلا يُعاقَبُ في الآخرةِ وإن لمْ يتبْ عندَ الجمهورِ، والحديثُ مخصوصٌ بما سوى الكفرِ، فإنَّ المرتدَّ إذا قُتِلَ على ارتدادِهِ؛ لا يكونُ القتلُ كفَّارةً له، فإنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشرَكَ به، وهذا بناءً على أنَّ قوله: (من ذلك شيئًا) يتناولُ جميعَ ما ذكرَ، وهو ظاهرٌ.
وقدْ قيلَ: يحتملُ أن يكونَ المرادُ ما ذُكِرَ بعد الشِّركِ، بقرينةِ أنَّ المخاطبَ بذلكَ المسلمون، فلا يدخلُ حتَّى يحتاجَ إلى إخراجِه.
ورُدَّ بأنَّ خطابَ المسلمينَ بذلك لا يمنعُ التَّحذيرَ منَ الإشراكِ.
وقيلَ: الحقُّ أنَّ المرادَ بالشِّركِ الشِّركُ الأصغرُ وهوَ الرِّياءُ، ورُدَّ أيضًا بأنَّ هذا خلافُ عرفِ الشَّارعِ، فإنَّه إذا أطلقَ الشِّركَ في الآياتِ والأحاديثِ؛ إنَّما يُراد به مَا يُقابلُ التَّوحيدَ.
وأيضًا أنَّه عقَّبَ الإصابةَ بالعقوبةِ في الدُّنيا، والرِّياءُ لا عقوبةَ فيهِ.
قوله: (فهو) أي: حكمُ العفوِ والعقابِ مفوَّضٌ إلى اللهِ تعالى، هذا يشتملُ من تابَ من ذلكَ ومن لمْ يتبْ، لكنَّ مذهبَ الجمهورِ أنَّ من تابَ لا يبقى عليهِ من أخذَه مع ذلكَ، فلا يأمَنُ من مكرِ اللهِ، لأنَّه لا اطِّلاعَ له هلْ قُبِلَتْ توبتُه أو لا.