قوله: (فإنَّ دماءكم) هذا الحديثُ بعضٌ من حديثٍ طويلٍ، وقد سبقَ بعضَهُ في (باب: قولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ: ربَّ مبلَّغٍ) إلخ ...
وقدْ حرُمَ ههنا اقتصارًا على المقصودِ، وَهُوَ بَيانُ التَّبليغِ.
قوله: (محمَّد) أي: ابنُ سيرينَ.
و (أحسبه) أي: أظنُّهُ؛ أي: ابنُ بكرةَ قالَ: (وأعراضكم) ؛ أي: زادَ في الرِّوايةِ هذهِ اللفظة، وهوَ منصوبٌ عطفًا على (دماءكم) ، وهذهِ جملةٌ معترضةٌ بينَ اسمِ إنَّ وخبرِهَا، وإنَّما رُوِيَ محمَّدُ ههنا ظانًّا في هذا اللَّفظِ، وفيما تقدَّمَ جازمًا، إمَّا لأنَّه كانَ عندَ روايتِهِ لأيُّوبَ ظانًّا في تلكَ اللَّفظةِ وبعدَهَا تذكَّرَ فحصلَ لهُ الجزمُ بها فرواها لابن عونٍ جازمًا، وإمَّا بالعكسِ نظرًا وتردُّدًا له.
قيلَ: الظَّاهرُ أنَّ المراد بـ (الأعراضِ) الأخلاقُ النَّفسانيَّةُ.
(كان ذلك) فإن قلتَ: (ذلك) إشارةٌ إلى ماذا؟ لا يحتملُ أن يُشارَ بهِ إلى التَّبليغِ الشَّاهدِ وهو أمرٌ؛ لأنَّ التَّصديقَ والتَّكذيبَ منْ لوازمِ الخبرِ؟
قلتُ: إمَّا أنْ تكونَ الرِّوايةُ عندَ ابنِ سيرينَ: (ليبلِّغ) بفتحِ اللَّامِ، فيكونُ خبرًا، وإمَّا أنْ يكونَ الأمرُ بمعنى الخبرِ ويحتملُ معناهُ إخبارُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ بأنَّهُ سيقعُ التَّبليغُ فيما بعدُ، وإمَّا أنْ يكونَ إشارةً إلى تتمَّةِ الحديثِ، وهوَ أنَّ الشَّاهدَ عسى أنْ يبلِّغَ منْ هوَ أدعى.
قوله: (ألا) بتخفيفِ اللَّامِ، كأنَّه قالَ: ألا يا قومُ هلْ بلَّغتُ؟ يعني: هل علَّمتُ؟ مقتضى قولُهُ تعالى: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة:67] .
قوله: (مرَّتين) هو متعلِّقٌ بـ (قالَ) مقدَّرٌ؛ أي: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ مرَّتينِ: ألا هلْ بلَّغتُ.
قالَ ابنُ بطَّالٍ: لمَّا أخذَ اللهُ تعالى على أنبيائِهِ الميثاقَ في تبليغِ دينِهِ لأمَّتهِمْ، وجعلَ العلماءَ ورثةَ الأنبياءِ؛ وجبَ عليهم أيضًا التَّبليغُ والنَّشرُ حتَّى يظهرَ على جميعِ الأديانِ، وكانَ في عصرِهِ فرضُ عينٍ، وأمَّا اليومَ؛ فهو فرضُ كفايةٍ؛ لانتشارِ الدِّينِ وعمومِهِ.