فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 8133

120 -قوله:(وعائين)أطلقَ المحلَّ وأرادَ الحالَ؛ أي: نَوعَيْن من المحلِّ المعلومِ.

و (بثثته) أي: نشرتُهُ.

و (قطع) أي: لقطعِ، ويجوزُ حذفُ اللَّامِ منْ جوابِ (لو) .

و (البلعوم) بضمِّ الموحَّدةِ مجرى الطَّعامِ في الحلقِ، وهو المري.

قيلَ: المرادُ منَ الوعاءِ الثَّاني أحاديثُ أشراطِ السَّاعةِ وما عرفَ بهِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ من فسادِ الدِّينِ وتغيُّرِ الأحوالِ والتَّضييعِ لحقوقِ اللهِ تعالى لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ: «يكونُ فسادُ هذا الدِّينِ على يدي أغيلة سفهاءِ قريشَ» ، وكانَ أبو هريرةَ يقولُ: لو شئتُ أنْ أسمِّيَهُمْ بأسمائِهِمْ، فخشيَ على نفسِهِ فلمْ يصرِّحْ.

قالَ في «الفتحِ» : وحملَ العلماءُ الوعاءُ الَّذي لم يثبتْهُ على الأحاديثِ الَّتي فيها بينَ أسامي أمراءِ الجورِ وأحوالِهِمْ وذمَّهُمْ، وقدْ كانَ أبو هريرةَ يُكنِّي عنْ بعضِهِمْ ولا يصرِّحُ بهِ؛ خوفًا على نفسِهِ منهمْ، كقولِهِ: أعوذُ باللهِ منْ رأسِ السِّتِّينَ وأمارةِ الشَّطحيَّات؛ يشيرُ إلى خلافةِ يزيدَ بنِ معاويةَ.

وفي «الكرمانيِّ» و «المقاصد» : هذا الحديثُ قطبُ مدارِ استدلالاتِ المتصوِّفةِ في الطَّامَّاتِ والشَّطحيَّاتِ.

قالوا: المرادُ بالأوَّلِ: علمُ الأحكامِ والأخلاقِ، وبالثَّاني: علمُ الأسرارِ المصونِ عنِ الأغيارِ المختصُّ بالعلماءِ باللهِ من أهلِ العرفانِ، وهوَ نتيجةُ الخدمةِ وثمرةُ الحكمةِ، لا يظفرُ بها إلَّا الغوَّاصونَ في بحارِ المجاهداتِ، ولا يسعدُ بها إلَّا المصطفونَ بأنوارِ المشاهداتِ، إذْ هوَ أسرارٌ متمكِّنةٌ في القلوبِ، لا يظهرُ إلَّا بالرِّياضةِ، وأنوارٌ معلمةٌ في الغيوبِ، لا ينكشفُ إلَّا للمرتاضةِ، أقولُ: نعمَ ما قالَ، لكنْ بشرطِ أنْ لا يرفعَهُ القواعدَ الإسلاميَّةَ ولا ينعيهُ القوانينَ الإيمانيَّةَ، إذ ما بعدَ الحقِّ إلَّا الضَّلال.

قالَ الشَّيخُ أبو حامدٍ الغزاليُّ رحمهُ اللهُ تعالى: وعليهِ متصوِّفةُ أهلِ الزَّمانِ إلَّا منْ عصمَهُ اللهُ تعالى اغترُّوا؟؟؟ والمنطقِ والهيئةِ منَ السَّماعِ والرَّقصِ والطَّهارةِ والجلوسِ على السَّجَّاداتِ معَ أطرافِ الرَّأسِ وإدخالُهُ في الجيبِ كالمتفكِّرِ، وظنُّوا لذلك أنَّهم منهم، فلم يُتعِبوا أنفسهم قطُّ في المجاهدةِ والرِّياضةِ ومراقبةِ القلبِ وتطهِّرِ الباطنِ

ص 92

والظَّاهرِ من الآثامِ الخفيَّةِ والجليَّةِ، وكلُّ ذلكَ من أوائلِ منازلِ المتصوِّفةِ، ولو فرغوا عنْ جميعِهَا؛ لمَا جازَ لهمْ أنْ يعدُّوا أنفسَهُم منَ الصُّوفيَّةِ، كيفَ ولم يحرموا قطُّ حولَها، بلْ يتكالبونَ على الحرامِ والشُّبهاتِ وأموالِ السَّلاطينَ، ويتنافسونَ في الغلسِ والرَّغيفِ والحبَّةِ، ويتحاسدونَ على النَّقيرِ والقطميرِ، ويمزِّقُ بعضُهُم أعراضَ بعضٍ، وليسوا من الرِّجالِ في شيءٍ بلْ همْ أعجزُ من العجائزِ في المعاركِ، فإذا كُشِفَ عنهُمُ الغطاءُ؛ فواصيحتاه على رؤوسِ الأشهادِ.

قالَ: ومنهم طائفةٌ ادَّعتْ علمَ المعرفةِ ومشاهدةَ الحقِّ ومجاوزةَ المقاماتِ والأحوالِ، ولا يعرفُ هذهِ الأمورَ إلَّا بالأسامي والألفاظِ، إلَّا أنَّه يلفِّقُ من الألفاظِ الطَّامَّاتِ كلماتٍ، فهو يردِّدُهَا ويظنُّ أنَّ ذلكَ علمٌ أعلى من علومِ الأوَّلينَ والآخرينَ، فهوَ ينظرُ إلى الفقهاءِ والمفسِّرينَ والمحدِّثينَ بعينِ الازدراءِ، حتَّى أنَّ الفلَّاحَ يتركُ فِلاحتَهُ، والحايكُ يتركُ حياكتَهُ ويلزمُهُمْ أيَّامًا، ويتلفَّقُ منهمْ هذهِ الكلماتِ المزيَّفةِ، وهو يردِّدُها كأنَّهُ يتكلَّمُ عن الوحيِ ويخبرُ عن سرِّ الأسرارِ، ويستخفُّ بذلك جميعَ العبادِ والعلماءِ، فيقولُ في العبادِ أنَّهم أجراء متعبونَ، وفي العلماءِ أنَّهُمْ بالحديثِ عنِ اللهِ محجوبونَ، ويدَّعي لنفسِهِ أنَّهُ الواصِلُ إلى الحقِّ، وأنَّهُ منَ المفسِرينَ، وهوَ عندَ اللهِ تعالى منَ الفجَّارِ المنافقينَ، وعندَ أربابِ القلوبِ من الحمقى الجاهلينَ.

ومنهمْ من يقولُ: الأعمالُ بالجوارحِ لا وزنَ لها، وإنَّما النَّظرُ إلى القلبِ، وقلوبُنَا عاكفةٌ والهةٌ تحبُّ اللهَ، وإنَّما تخوضُ الدُّنيا بأبدانِنَا وقلوبِنَا في الحضرةِ الرَّبويَّة، فنحنُ منَ الشَّهواتِ بالظَّواهرِ لا بالقلوبِ، وهم يرفعونَ بذلكَ درجةَ أنفسهِمْ عن درجةِ الأنبياءِ، إذ كانَ يصدُّهُمْ عن طريقِ اللهِ خطيئةً واحدةً حتَّى كانوا يبكونَ عليها وينوحونَ سنينَ متواليةً وأصنافَ غرورِ أهلِ الإباحةِ من المتشبِّهينَ بالصُّوفيَّةِ لا يُحصَى، انتهى كلامهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت