(فأشارت) أي: عائشةُ إلى السَّماءِ، يعني: انكسفتِ الشَّمسُ.
(فإذا النَّاس قيام) لصلاةِ الكسوفِ، و (قيام) جمعُ قائمٍ.
قوله: (آية) أي: علامةٌ لعذابِ النَّاسِ، كأنَّها مقدِّمةً لهُ، قالَ اللهُ تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء:59] ، أو علامةً لقربِ زمانِ القيامةِ وأمارةً من أماراتِهَا، أو علامةً لكونِ الشَّمسِ مخلوقةً داخلةً تحتَ النَّقصِ مسخَّرةً لقدرةِ اللهِ تعالى، ليسَ لها سلطنةٌ على غيرِهَا، بل لا قدرةَ على الدَّفعِ عنْ نفسِهَا.
(فقمتُ) أي: للصَّلاةِ.
(حتَّى علاني) أي: غلبني.
(الغشي) بفتحِ الغينِ وإسكانِ الشِّينِ، ورُوِيَ أيضًا بكسرِ الشِّينِ وتشديدِ الياءِ، وهوَ مرضٌ معروفٌ يحصلُ بطولِ القيامِ في الحرِّ وغيرِ ذلكَ، وعرَّفَهُ أهلُ الطِّبِّ بأنَّهُ تعطُّلُ القوى المحرِّكةِ الحسَّاسةِ لضعفِ القلبِ واجتماعِ الرُّوحِ كلِّه إليهِ، وأرادَتْ بالغشيِ الحالةَ القريبةَ، أو كانَ الصَّبُّ بعدَ الإفاقةِ منهُ، وكانَ الغشيُ والصَّبُّ في الصَّلاةِ مقدَّمًا على الخطبةِ.
قوله: (ما من شيء لم أكن أريته) بضمِّ الهمزةِ، قالَ العلماءُ: يحتملُ أنَّهُ: رأى من رؤيةِ عينٍ بأنَّ كشفَ اللهِ تعالى عنِ الجنَّةِ والنَّارِ مثلًا لهُ، وأزالَ الحجبَ بينَهُ وبينَهُمَا، وأنْ يكونَ رؤيةُ علمٍ ووحيٍ باطِّلاعِهِ وتعريفِهِ منْ أمورِهِمَا مفصَّلًا ما لمْ يعرفْهُ قبلَ ذلكَ، وهذا استثناءٌ مفرغٌ، ومعناهُ: كلُّ شيءٍ لمْ أكنْ أريتُهُ من قبلِ مقامِي ههنا رأيتُهُ في مقامي هذا، أو: (رأيتُهُ) في موضعِ الحالِ، وتقديرُه: ما من شيءٍ لمْ أكنْ أريتُهُ كائنًا في حالٍ من الأحوالٍ إلَّا في حالِ رؤيتي إيَّاهُ.
وجازَ وقوعُ الفعلِ مستثنًى بمثلِ هذا التَّأويلِ في «الكرمانيِّ» فيهِ دليلٌ على أنَّه صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ رأى في هذا المقامِ ذاتَ اللهِ تعالى، إذا المشيُ يتناوله والعقلُ لا يمنعه والعرفُ لا ينتظر إخراجَهُ، ولفظُ المقامِ يحتملُ المصدرَ والمكانَ والزَّمانَ.
قوله: (حتَّى الجنَّة) بالنَّصبِ عطفًا على الضَّميرِ المنصوبِ في (رأيته) ، وفي بعضِهَا: بالجرِّ على أنَّ (حتَّى) جارَّةً.
فإن قلتَ: فعلى هذا التَّقديرِ هلْ تكونُ الجنَّةُ مبصَرةً؟
قلتُ: الغايةُ في (حتَّى) لا يجبُ أن يكونَ حكمُ ما بعدِهَا خلافَ ما قبلِهَا، بلْ يجبُ أنْ لا يكونَ، سيَّما إذا كانتْ بمعنى (مع) ، ويحتملُ الرَّفعَ بأنْ تكونَ (حتَّى) ابتدائيَّةً؛ أي: حتَّى الجنَّة مرئيَّة، فهو نحو: أكلتُ السَّمكةَ حتَّى رأسَهَا في جوازِ الوجوهِ الثَّلاثةِ.
قوله: (مثل أو قريب) هما بغيرِ التَّنوينِ مضافانِ إلى (فتنةِ المسيحِ) .
فإن قلتَ: فهلْ يصحُّ أنْ يكونَ لشيءٍ واحدٍ مضافانِ.
قلتُ: ههنا مضافُ واحدٌ، وهو إحداهما إلَّا على التَّعيينِ، ولو سلَّمَ؛ فتقديرُهُ: مثلُ فتنةِ المسيحِ، أو قريبُ فتنةِ المسيحِ، فحذفَ أحدَ اللَّفظينِ منهما لدلالةِ الآخرِ عليهِ نحو قولِهِ: بين ذراعي
ص 77
وجبهةِ الأسدِ.
وفي بعضِهَا: (منْ فتنةِ المسيحِ) بإظهارِ حرفِ الجرِّ بينَ المضافِ والمضافِ إليهِ، وهوَ مثلُ قولِهِمْ: لا أبالك.
وفي بعضِهَا: (قريبًا) بالنَّصبِ والتَّنوينِ، فيكونُ كلمةُ من (ح) صلةٌ لهُ، ويقدَّر لفظُ (فتنة) قبلَ لفظِ: (قريبًا) ليكونَ المثلُ مضافًا إليه.
ولفظةُ: (أي) في الرِّوايةِ المشهورةِ مرفوعةٌ مبتدأ، وخبرُه: (قالَتْ أسماءُ) ، وضميرُ المفعولِ محذوفٌ، وفعلُ الدِّرايةِ معلَّقٌ بالاستفهامِ؛ لأنَّهُ منْ أفعالِ القلوبِ إن كانتْ (أي) استفهاميَّةً.
وأمَّا توجيهُ النَّصبِ؛ فبأنْ يكونَ مفعولُ (لا أدري) إنْ كانتْ موصولةً، أو مفعولُ (قالت) استفهاميَّةً أو موصولةً، ويحتملُ أنْ يكونَ من الدِّرايةِ بمعنى المعرفةِ.
قوله: (المسيح) سُمِّيَ بهِ؛ لأنَّهُ يمسحُ الأرضَ، أو لأنَّه ممسوحُ العينِ.
و (الدَّجل) الكذبُ والتَّمويهُ وخلطُ الحقِّ بالباطلِ، ووجهُ الشَّبهِ بينَ الفتنتينِ: الشِّدَّةُ والهولُ.
قوله: (يقال) هو بيانٌ لقولِهِ: (يفتنون) أي: يُمتحَنونَ.
و (ما علمك) الخطابُ للمقبولِ بهذا الرَّجلِ؛ أي: بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ، ولمْ يقلُ بهِ حكايةً من قولِ الملائكةِ للمقبورِ.
قوله: (ثلاثًا) أي: يقولُ: هو محمَّدٌ؛ ثلاثًا، مرَّتينِ بلفظِ: محمَّد، ومرَّةً بصفةِ: وهوَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ.
ولفظُ: (ثلاثًا) ذُكِرَ للتَّوكيدِ، فلا يلزمُ أنْ يكونَ (محمَّد) مقولًا تسعَ مرَّاتٍ.
قوله: (صالحًا) منتفعًا بأعمالِكَ وأحوالِكَ، إذ الصَّلاحُ كونُ الشَّيءِ في حدِّ الانتفاعِ.
قوله: (أن كنت) (أن) هي المخفَّفةُ من الثَّقيلةِ؛ أي: أن الشَّأنِ.
قوله: (فقلته) أي: قلتُ ما كانَ النَّاسُ يقولونَهُ، فهذا الحديثُ يدلُّ على بعضِ التَّرجمةِ، وهوَ الإشارةُ بالرَّأسِ، كما أنَّ الأوَّلينِ يدلَّانِ على البعضِ الآخرِ، وهو الإشارةُ باليدِ، فإذا دلَّ المجموعُ على المجموعِ؛ صحَّ التَّرجمةُ، ومثلُهُ مرَّ في (باب: بدء الوحي) .