و (على الرَّجل) متعلِّق بـ (رديفه) ، والجملةُ حالٌ، وقالَ: هوَ خيرٌ؛ لأنَّ ثلاثًا هو من بابِ تنازعِ العاملين؛ أعني: قال ويقول، ولا يبعدُ أن يُقالَ: أنَّ نداءَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ معاذًا ثلاثَ مرَّاتٍ كانَ للتَّوقُّفِ في إفشاءِ هذا السِّرِّ عليهِ.
(إلَّا حرمة) معنى التَّحريم المنعُ، وهو استثناءٌ من أعمِّ عامِّ الصِّفاتِ؛ أي: ما أحدٌ يشهدُ كائنًا بصفةٍ إلَّا صفةُ التَّحريمِ.
قوله: (أفلا أخبر) والمعطوفُ عليهِ مقدَّرٌ بعدَ الهمزةِ، نحوَ: أقلتَ ذلكَ فلا أُخبَرُ؟
قوله: (فيستبشروا) وفي بعضِهَا بالنُّون؛ أي: فهمْ يستبشرونَ.
قوله: (إذن) هوَ جوابٌ وجزاءٌ؛ أي: إنْ أخبرتَهُمْ يتَّكلوا، وكأنَّه قالَ: لا تخبرْهُمْ؛ لأنَّهمْ (ح) يتَّكلوا على الشَّهادةِ المجرَّدةِ، فلا يشتغلونَ بالأعمالِ الصَّالحةِ.
قوله: (تأثُّمًا) أي: تجنُّبًا عن الإثمِ.
والضَّميرُ في (موته) راجعٌ إلى معاذٍ، ويحتملُ أنْ يرجعَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ، فالعنديةُ على هذا الاحتمالِ باعتبارِ التَّأخُّرِ عن الموتِ، وعلى الأوَّلِ على ما هو الظَّاهرُ باعتبارِ التَّقدُّمِ على الموتِ.
و (أخبره) إلى آخرهِ منْ كلامِ أنسٍ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٌ كأنَّ قائلًا يقولُ: لمَ خالفَ معاذٌ قولَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ وأخبرَ بها النَّاسَ؟ فأجَابَ بأنَّهُ احترزَ عن إثمِ كتمانِ العلمِ، ولا يلزمُ المخالفةَ؛ لأنَّ معاذًا رضي اللهُ تعالى عنهُ علمَ أنَّ النَّهيَ لأجلِ أنْ لا يعتمدوا عليهِ ويتركوا العملَ، والقومُ يومئذٍ كانوا حديثي العهدِ بالإسلامِ، فلمَّا استقاموا وثبتوا وصاروا حريصين على العبادةِ حيثُ علموا أنَّ عبادةَ اللهِ تعالى يزيد تقرُّبًا إليهِ؛ أخبرهمْ بهِ.
أو علمَ أنَّ النَّهيَ لمْ يكنْ نهيَ تحريمٍ، أو نقولُ: رواهُ ذلكَ بعدَ ورودِ الأمرِ بالتَّبليغِ، والوعيدِ على الكتمانِ والنَّهيُ كانَ قبلَ ذلكَ.
فإن قلتَ: الحديثُ متمسِّكُ المرجئةِ والاعتقادُ بمقتضاهُ ما يستلزمُ طيَّ بساطِ الشَّريعةِ والجسارةِ على إراقةِ دماءِ المسلمينَ ونهبِ أموالِهِمْ وغيرِ ذلكَ من الكبائرِ.
قلتُ: لأنَّ ذلكَ قبلَ نزولِ الفرائضِ، وقيلَ: الشَّهادةُ منْ صدقِ القلبِ إنَّما هي بأداءِ حقوقِهَا.
وقيلَ: المرادُ أنَّ كلَّ كافرٍ يشهدُ بذلكَ وماتَ قبلَ أنْ يتمكَّنَ منَ العملِ حرَّمَهُ اللهُ تعالى على النَّارِ، وهوَ لمنْ قالها عندَ النَّومِ والتَّوبةِ وماتَ عليهِ أو المرادُ بالتَّحريمِ هنا تحريمُ الخلودِ لا أصلُ الدُّخولِ.