فهرس الكتاب

الصفحة 7119 من 8133

6502 - قولُهُ: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا) قيل: قولُهُ: (لِي) صفةٌ لـ (وَلِيًّا) ، في «القسطلانيِّ» : ومن شرطِ الوليِّ أن يكونَ محفوظًا من تماديهِ في الزَّللِ والخطأ، وإن وقع فيهما ندرةً؛ فيتوب منهما؛ كما أنَّ من شرطِ النَّبيِّ أن يكونَ معصومًا، فكلُّ من كان للشَّرع عليه اعتراضٌ

ص 861

فهو مغرورٌ مخادعٌ، وقولُهُ: (لِي) في الأصل صفةٌ لقولِهِ: (وَلِيًّا) ، لكنَّه لمَّا تقدَّم؛ صار حالًا، و (آَذَنْتُهُ) بالمدِّ؛ أي: أَعلمْتُهُ (بِالْحَرْبِ) أي: أعملُ به ما يعملُهُ العدوُّ المحاربُ من الإيذاء ونحوِهِ، وفيه تهديدٌ شديدٌ.

قولُهُ: (أَحَبَّ) بالفتح: صفةُ (شيءٍ) وبالرَّفع بتقدير: (هو أَحَبُّ) .

قولُهُ: (بِالنَّوَافِلِ) أي: مع الفرائض، فالمُرادُ بالنَّوافلِ ما كانتْ حاويةً للفرائض مُشتمِلةً عليها مُكمِّلَةً لها؛ كذا في «الكرمانيِّ» .

قولُهُ: (كُنْتُ سَمْعَهُ) في «الزَّركشيِّ» : قيل: أي: لا تتحرَّك جارحةٌ من جوارحِهِ إلَّا في الله وبالله، فجوارحُهُ كلُّها تعمل بالحقِّ مُؤيَّدًا.

وفي «القسطلانيِّ» : وزاد عبدُ الواحد بن ميمونٍ عن عروةَ، عن عائشةَ عندَ أحمدَ والبيهقيِّ في (الزُّهد) : «وفؤادَهُ الذي يعقل به، ولسانَهُ الذي يتكلَّم به» ، وفي حديث أنسٍ: «ومنْ أحبَبْتُهُ؛ كنتُ له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيِّدًا» ، وهو مجازٌ وكنايةٌ عن نصرةِ العبدِ وتأييدِهِ وإعانتِهِ حتَّى كأنَّه سبحانه يُنزِّل ذاتَهُ من عبدِهِ منزلةَ الآلاتِ التي استغنى بها، وكذا وقع روايةُ: «فَبِي يسمع، وبي يُبصِر، وبي يبطش، وبي يمشي» ، قالَهُ العوفيُّ [1] ، أو أنَّ (سَمْعَهُ) بمعنى مسموعِهِ على أنَّ المصدرَ بمعنى المفعول، والمعنى: أنَّه لا يسمع إلَّا ذِكري، ولا يستلذُّ إلَّا بتلاوة كتابي، ولا يأنسُ إلَّا بمُناجاتي، ولا ينظر إلَّا في عجائب ملكوتي، ولا يمدُّ يدَهُ إلَّا فيما [2] فيه رضائي، ورِجلُهُ كذلك، قالَهُ الفاكهانيُّ.

وقال الاتِّحاديَّةُ: إنَّه على حقيقتِهِ، وإنَّ الحقَّ يصير عينَ العبد مُحتَجِّين بمجيء جبريلَ عليه السَّلام في صورة دِحْيةَ، وللشَّيخ قطبِ الدِّين القسطلانيِّ كتابٌ بديعٌ في الرَّدِّ على أصحاب هذه المَقالةِ _أثابَهُ اللهُ تعالى_ وعن أبي عثمانَ الحيريِّ [3] ، أحد أئمَّة الصُّوفيَّة: كنتُ أسرعَ إلى قضاءِ جوائجِهِ من سمعِهِ في الإسماع، وعينِهِ في النَّظر، ويدِهِ في اللَّمس، ورِجلِهِ في المشيِ.

وقال البيضاويُّ في شرحِهِ لـ «المصابيح» : يعني: أنَّ العبدَ لا يزالُ يتقرَّبُ إلى الله تعالى بأنواعِ الطَّاعات وأصناف الرِّياضات، ويترقَّى من مقامٍ إلى آخرَ أعلى منه حتَّى يُحِبَّهُ اللهُ تعالى، فيجعله مستغرِقًا بمُلاحَظةِ جَنابِ قدسِهِ؛ بحيث ما لاحظَ شيئًا إلَّا لاحظَ ربَّهُ، فما التفتَ لفتةَ حاسٍّ ومحسوسٍ، وصانعٍ ومصنوعٍ، وفاعلٍ ومفعولٍ إلَّا رأى اللهَ عزَّ وجلَّ، وهذا آخرُ درجات السَّالكين، وأوَّلُ درجات الواصلين، فيكون بهذا الاعتبارِ سمعَهُ وبصرَهُ.

أقول: يحتمل أن يكونَ المُرادُ _واللهُ تعالى أعلمُ بالصَّواب_ فكنتُ أُحِبُّ سمعَهُ وبصرَهُ ... إلخ بحذف الفعل الذي يدلُّ عليه المذكورُ، فإنَّ المُحِبَّ الكاملَ في المحبَّة كما يحبُّ المحبوبَ يحبُّ كلَّ عضوٍ منه، وما يحصل ويصدر من ذلك العضوِ المحبوبِ، فيحبُّ سمعَهُ وبصرَهُ ولسانَهُ ويدَهُ ورِجلَهُ وكلامَهُ وبطشَهُ ومشيَهُ، فعلى هذا يكون معنى الفاء في (فَكُنْتُ سَمْعَهُ) أيضًا ظاهرًا بلا تكلُّفٍ، فليُتأمَّل.

قولُهُ: (تَرَدُّدِي عَلَى نَفْسِ الْمُؤْمِنِ) في «الزَّركشيِّ» : التَّردُّدُ في حقِّ الله تعالى مُحالٌ، فمعناهُ: أردِّدُ رسلي؛ كما حُكِيَ عن ترداد مَلَكِ الموتِ لموسى عليه السَّلام، أو يُشرِف على البلاء فيدعو، فأُعافيه وأصرف السُّوءَ عنه؛ كما قال: «الدُّعاءُ يردُّ البلاءَ» إلى أن ينقضيَ أَجَلُهُ فيموت.

وحاصلُهُ ما في «الكرمانيِّ» : أنَّ العبدَ قد يُشرِف على الهلاك من داءٍ يُصيبُهُ وفاقةٍ تنزل به، فيدعو اللهَ تعالى، فيشفيه منها، ويدفع عنه مكروهَها، فيكون ذلك من فعلِهِ كتردُّدِ

ص 862

من يريد أمرًا، ثمَّ يبدو له في ذلك فيتركه ويُعرِض عنه، ولا بدَّ له من لقائِهِ إذا بلغَ الكتابُ أَجَلَهُ، وهذا معنى أنَّ الدُّعاءَ يردُّ البلاءَ، أو ما تردَّدَتْ رسلي في شيءٍ أنا فاعلُهُ تردُّدي إيَّاهم في نفسِ المؤمنِ؛ كما رُوِيَ في قصَّة موسى عليه السَّلام، وما كان من لطمِهِ عينَ مَلَكِ الموتِ وتردُّدِهِ إليه مرَّةً بعد أخرى، وحقيقةُ المعنى في الوجهين لطفُ الله تعالى بالعبد وشفقتُهُ وعطفُهُ عليه.

قولُهُ: (مَسَاءَتَهُ) بفتح الميم: في حياتِهِ؛ لأنَّ بالموت يبلغ إلى النَّعيم المُقيم، أو لأنَّ حياتَهُ تؤدِّي إلى أرذلِ العمرِ وتنكيسِ الخلقِ والرَّدِّ إلى أسفل سافلين، أو أكرهُ مَكروهَهُ الذي هو الموتُ، فلا أُسرِعُ بقبضِ روحِهِ، فأكون كالمُتردِّد.

في «القسطلانيِّ» : وقال الجُنَيدُ: الكراهةُ هنا لِما يلقى المؤمنُ من الموت وصعوبتِهِ، وليس المعنى: أنِّي أكرهُ له الموتَ؛ لأنَّ الموتَ يُورِدُهُ إلى رحمةِ الله ومعرفتِهِ، وقال غيرُهُ: لمَّا كانتْ مُفارَقةُ الرُّوحِ الجسدَ لا تحصل إلَّا بألمٍ عظيمٍ جدًّا، واللهُ تعالى يكرهُ أذى المُؤمنِ؛ أطلقَ على ذلك الكراهةَ.

ومُناسَبةُ الحديثِ للتَّرجمة أنَّ التَّقرُّبَ بالنَّوافلِ لا يكون إلَّا بغايةِ التَّواضعِ لله تعالى والتَّذلُّلِ له تعالى.

[1] في (أ) : (الطُّوفيُّ) ، وهو تحريفٌ.

[2] في (أ) : (ما) ، والمثبت من المصادر.

[3] في (أ) : (الخيريِّ) ، والمثبت من المصادر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت