قوله: (حَتَّى انْصَرَفَ) قال العينيُّ كالكرمانيِّ؛ أي: من الغزاة، وقال القسطلانيُّ: وفيه نظر فإنَّ في (باب أنزل القرآن على سبعة أحرف) عن ابن شهاب: فكدت أشاوره في الصَّلاة فبصرت حتَّى سلَّم فيكون المراد هنا انصرف من الصَّلاة.
قوله: (ثُمَّ لَبَّبْتُهُ) بتشديد الموحَّدة وسكون الثَّانية؛ أي: جعلت رواه في عنقه وجررته، مأخوذ من (اللَّبَّة) بفتح اللَّام، وهي موضع النَّحر من الإبل، (أَرْسِلْهُ) أي: أطلق هشامًا لأنَّه كان ممسوكًا معه.
قوله: (عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي: أوجهٍ من الاختلاف، وذلك إمَّا في الحركاتِ بلا تغيُّرٍ في المعنى والصُّورة نحو النَّحل، ويحسب بوجهين، أو يتغيَّر في المعنى فقط نحو {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة:37] ، {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف:45] ، وإمَّا في الحروف يتغيَّر المعنى لا الصُّورة نحو {يَتْلو} و {تتلو} و {نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس:92] ، أو بعكس ذلك {بسطة} وبضبطه {السِّراط} و {الصِّرط} [الفاتحة:6] ، أو بتغيُّرهما نحو {أَشَدَّ مِنْكُم} و {منهم} [التوبة:69] ، {يَأْتَلِ} و {يتأل} [النور:22] ، فامضوا إلى ذكر الله، وأمَّا في التَّقديم والتَّأخير نحو (فيقتلون) ، {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق:19] ، أو في الزِّيادة والنُّقصان نحو (أوصى) و (وصَّى) ، و (الذَّكر والأنثى) ، فهذا ما يرجع إليه صحيح القراءات، وشاذُّها وضعيفها ومنكرها لا يخرج شيءٌ منها، وإمَّا نحو اختلاف الإظهار والإدغام والرَّوم والإشمام بما يعبَّر عنه بالأصول، فليس من الاختلاف الَّذي يتنوَّع فيه اللَّفظ والمعنى لأنَّ هذه الصِّفات المتنوِّعة في أدائه لا يخرجه من أن يكون لفظًا واحدًا؛ كذا في «القسطلانيِّ» ، وقال الكرمانيُّ: في تفسير سبعة أحرف الخطَّابيُّ: الأشبه فيه ما قيل: إنَّ القرآن أنزل مرخَّصًا للقارئ بأن يقرأ بسبعة أحرفٍ على ما تيسَّر، وذلك إنَّما هو فيما اتَّفق فيه المعنى أو تقارب، وهذا قبل إجماع الصَّحابة، وأمَّا الآن فلم يسعهم أن يقرؤوه على خلاف ما أجمعوا عليه، واختلفوا في تفسير الأحرف؛ فقيل: هي اللُّغات؛ أي: أُنزِل على أفصح لغات العرب، وقيل: الحرف الإعراب لأنَّ الحرف الطَّرف والإعراب إنَّما يلزم آخر الأسماء فسمِّي باسم محلِّه، ثمَّ استُعمِل فقيل: فلا يقرأ بحرف عاصمٍ؛ أي: بالوجه الَّذي اختاره من الإعراب، وقال بعضهم: الحرف هي الأسماء والأفعال المؤلَّفة من الحروف الَّتي تنتظم منها الكلمة فتقرأ على سبعة أوجهٍ كقوله تعالى: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يوسف:12] قرئ على سبعة أوجه، فإن قلت: كيف يجوز إطلاق العدد على نزول الآية، وهي إذا نزلت مرَّةً حصلت كما هو إلَّا أن يرفع ثمَّ ينزل بحرفٍ آخر؟
أجيب: بأنَّ جبريل كان يدارس من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم القرآن في كلِّ رمضان ويعارضه إيَّاه فترك في كلِّ عرضه بحرف، ولهذا قال: «أقرأني جبريل عليَّ فراجعت فلم أزل أستزيد حتَّى
ص 452
انتهى إلى سبعة أحرف»، قال القاضي: قيل: هي توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر، وقال الأكثرون: هو حصر للعدد في السَّبعة، فقيل: هي في صورة التِّلاوة وكيفيَّة النُّطق من إدغامٍ أو إظهارٍ، وتفخيمٍ وترقيقٍ، ومدِّه وإمالة ليقرأ ما يوافق لغةً، ويسهل على لسانه؛ أي: كما لا يكلَّف القرشيُّ الهمزة، واليمنيُّ تركه، والأسديُّ فتح حرف المضارعة، فقيل: هي في الألفاظ والحروف، فقيل: سبع لغاتٍ للعرب؟؟ ومعدها، وقيل: السَّبعة كلُّها المصر وجدها وهي متفرِّقة في القرآن غير مجتمعة في كلمةٍ واحدة، وقيل: بل هي مجتمعة في بعض الكلمات، كقوله: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة:60] ، قال: الرَّاوديُّ: هذه القراءات السَّبع الَّتي يقرؤون النَّاس اليوم بها ليس كلُّ حرفٍ منها هو أحد تلك السَّبعة المذكورة في الحديث، وهو ما جمع عليه عثمان رضي الله عنه، انتهى كلام الكرمانيُّ.