فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 8133

(10)(باب: العلم قبل القول والعمل)

يعني: أنَّ الشَّيء يعلمُ أوَّلًا ثمَّ يقالُ: ويعملُ به، فالعلمُ مقدَّمٌ عليهما بالَّذاتِ.

قوله: (فبدأ بالعلم) حيثُ قالَ: فاعلمْ أنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ، ثمَّ قالَ: واستغفرْ لذنبِكَ، والاستغفارُ إشارةٌ إلى القولِ والعملِ جميعًا لا يكونُ العلمُ والقولُ والعملُ لشيءٍ واحدٍ كما هو المدَّعي، حيثُ قالَ: يعني أنَّ الشَّيءَ يعلمُ أوَّلًا، ثمَّ قالَ: ويعملُ بهِ، فلعلَّ المرادَ من العلمِ علمُ التَّوحيدِ وأصولُ الدِّينِ، ومن القولِ والعملِ سائرَ العباداتِ القوليَّةِ والعمليَّةِ، فليتأمَّلْ.

ثمَّ يُعلَمُ منْ هذهِ الآيةِ أنَّ التَّوحيدَ ما يجبُ العلمُ بهِ ولا يجوزُ فيهِ التَّقليدُ، ومذهبُ أكثرِ المتكلِّمينَ أنَّ إيمانَ المقلِّدِ في أصولِ الدِّينِ غيرُ صحيحٍ.

وقالَ محيي السُّنَّةِ: يجبُ على كلِّ مكلَّفٍ معرفةُ علمِ الأصولِ، ولا يسعُ فيهِ التَّقليدُ لظهورِ دلائلِهِ.

قوله: (ورَّثوا) بتشديدِ الرَّاءِ المفتوحةِ؛ أي: الأنبياءُ، وبالتَّخفيفِ مع الكسرِ؛ أي: العلماءُ.

و (أخذ) أي: من ميراثِ النُّبوَّةِ بحظٍّ وافرٍ؛ أي: كثيرٌ كاملٌ.

قوله: (سهَّل الله تعالى) أي: في الآخرةِ، أو المرادُ: وفَّقهُ اللهُ تعالى للأعمالِ الصَّالحةِ الموصلةِ إلى الجنَّةِ، ومنْ لفظِ: و (أنَّ العلماءَ) إلى ههنا ثبتَ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ، وذكرَ البخاريُّ تعليقًا؛ لأنَّهُ ليسَ بشرطِهِ.

قوله: (يفقِّهه) أي: يفهِّمهُ، أو المرادُ به المعنى الاصطلاحيُّ؛ أي: الفهمُ للأحكامِ الشَّرعيَّةِ العمليَّةِ المكتسبةِ من أدلَّتها التَّفصيليَّةِ، وفي بعضِ الرِّوايات: يفهِّمه.

قوله: (بالتَّعلُّم) في بعضِهَا: بالتَّعليمِ؛ أي: ليسَ العلمُ المعتبرُ إلَّا المأخوذُ من الأنبياءِ، وورثهُمْ على سبيلِ التَّعلُّمِ والتَّعليمِ، فيُفهَم منهُ أنَّ العلمَ لا يُطلَقُ إلَّا على علمِ الشَّرعِ، ولهذا لو أوصى رجلٌ للعلماءِ؛ لا يُصرَفُ إلَّا على أصحابِ الحديثِ والتَّفسيرِ والفقهِ، وهذا يحتملُ أن يكونَ من كلامِ البخاريِّ، كذا في «الكرمانيِّ» .

وقالَ في «القسطلانيِّ» : وليسَ هذا من كلامِ المؤلِّفِ، فقدْ رواهُ ابنُ أبي عاصم والطَّبرانيُّ من حديثِ معاويةَ مرفوعًا.

و (أبو نعيم) من حديثِ أبي الدَّرداءِ مرفوعًا، انتهى.

قوله: (الصَّمصامة) بفتحِ المهملتينِ؛ أي: السَّيفُ الصَّارمُ الَّذي لا يثني، وهذه هي إشارةٌ إلى القفا، وهي مؤخَّرُ العنقِ.

و (أنفذ) بضمِّ الهمزةِ والذَّالِ المنقوطةِ؛ أي: أمضى، يعني: ظننتُ أنِّي أقدرُ على إنفاذِ كلمةٍ؛ أي: تبليغها، وتحيَّزوا؛ أي: الصُّمصامة على أبي عليِّ، فقالَ: أي: قبل أن تقطعوا رأسي، واعترضَ بأن (لو) يقتضي أن يكونَ المعنى انتفى الإنفاذُ لانتفاءِ الوضعِ، وليس هذا بمراد.

وأجيب: بأنَّ (لو) ههنا بمعنى (أن) لمجرَّدِ الشَّرطِ، والمرادُ أنَّ

ص 68

الإنفاذَ حاصلٌ على تقديرِ الوضعِ، فعلى تقديرِ عدمِ الوضعِ حصولُه أولى، فهوَ مثلُ لو لمْ يخفِ اللهَ؛ لمْ يعصِهِ، كذا في «القسطلانيِّ» .

قوله: (ربَّانيِّين) منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وأصلُهُ: (ربِّيُّون) بنونٍ، فزيدَ الألفُ والنُّونُ للتَّأكيدِ والمبالغةِ في النِّسبةِ، وسُمُّوا (ربَّانيِّين) لأنَّهم يُنسَبون إلى الرَّبِّ، كأنَّهُمْ لإخلاصِهِم أنفسَهُم للهِ وشدَّةِ تعلُّقِهِمْ بربِّهِمْ لا يُنسَبون إلَّا إلى الرَّبِّ.

قوله: (حكماء) جمعُ حكيمٍ، والحكمةُ صحَّةُ القولِ والعقدِ والفعلِ، وقيلَ: الحكمةُ الفقهُ في الدِّينِ، وقيلَ: معرفةُ الأشياءِ على ما عليه، والظَّاهرُ أنَّ (حكماءَ فقهاءَ) تفسيرٌ للرَّبَّانيِّين، وفي بعضِهَا: (حلماء) باللَّامِ جمعُ حليمٍ.

قوله: (بصفات العلم قبل كباره) أي: بجزيئاتِهِ قبلَ كلِّيَّاتِهِ، أو بفروعِهِ قبلَ أصولِهِ، أو بمقدِّماتِهِ قبلَ مقاصدِهِ.

ولفظُ: (ويقال) من كلامِ البخاريِّ، لا منْ كلامِ ابنِ عبَّاسٍ.

فإن قلتَ: هذا كلُّه من التَّرجمةِ، فأين ما هذهِ التَّرجمة؟

قلتُ: إمَّا أنَّه أرادَ أنْ يُلحِقَ الأحاديثَ المناسبةَ إليها فلمْ يتَّفقْ لهُ، وإمَّا أنَّهُ للإشعارِ بأنَّهُ لمْ يثبتْ عندَهُ بشرطِهِ ما يناسبُهَا، وإمَّا أنَّه اكتفى بما ذكرَهُ تعليقًا؛ لأنَّ المقصودَ منَ البابِ بيانُ فضيلةِ العلمِ، ويُعلَمُ ذلكَ منَ المذكورِ آيةً وحديثًا وإجماعًا سكوتيًّا منَ الصَّحابةِ بحيثُ انتهى إلى حدِّ علمِ الضَّرورةِ فلمْ يحتجْ إلى الزِّيادةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت