قوله: (ثِنْتَينِ في ذَاتِ اللهِ تعالى) أي: لأجله عزَّ وجلَّ محضًا من غير حظٍ لنفسه، بخلاف الثَّالثة وهي قصَّة سارة فإنَّها تضمَّنت حظًّا ونفعًا، وليس هذا من الكذب الحقيقيِّ فإنَّه يمتنع صدوره عن الأنبياء فيُأَوَّل بأنَّه صورة الكذب عند السَّامع وأمَّا في نفس الأمر فلا إذ معنى (سَقِيمٌ) سأسقم لأنَّ الإنسان عرضة الأسقام، أو كانت تأخذه الحمَّى في ذلك الوقت، أو المعنى مريض القلب بسبب إطباقكم على الكفر والشِّرك، وأمَّا (فَعَلَهُ كَبيرُهُم) فيُأَوَّل بأنَّه أسند إليه لأنَّه هو السَّبب لذلك أو هو مشروطٌ بقوله: إن كانوا ينطقون، وأمَّا سارة فهي أخته في الإسلام، وإنَّما يقول في حديث الشَّفاعة: (إنِّي كنت كذبت ثلاث كذبات) لأنَّه حال شدَّة الخوف وعلوِّ مقامه، وإلَّا فالكذب في بعض المقامات جائزٌ بل واجبٌ، وقد اتَّفق الفقهاء
ص 592
فيما لو طلب ظالمٌ وديعةً ليأخذها غصبًا وجب على المودع أن يكذب بمثل أنَّه لا يعلم موضعها بل يحلف على ذلك؛ كذا في «الكرمانيّ» و «القسطلانيِّ» ، ولمَّا كان ما صدر من الخليل عليه السَّلام مفهومًا ظاهره خلاف باطنه أشفق أن يؤاخذ به لعلوِّ حاله؛ كذا في «القسطلانيِّ» .
قوله: (وَسَارَةُ) هي بنت هاران ملك حراب.
قوله: (أُخْتي) قيل: خاف بأنَّه لو علم أنَّها زوجته حملته الغيرة على قتله أو حبسه أو أمره بالطَّلاق.
قوله: (فَأَتى) أي: الخليل، و (عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ) أي: الأرض المخصوصة وإلَّا كان لوط مؤمنًا في ذلك الوقت.
قوله: (فَأُخِذَ) بلفظ المجهول؛ أي: أخنق، و (لا أَضُرُّكِ) في «القسطلانيِّ» : بفتح الرَّاء وضمِّها، و (حَجَبَتَهُ) بفتح المهملة والجيم، جمع (حاجب) ، و (أَخْدَمَهَا) أي: وهبها لها لتخدمها وكان أبوها من ملوك القبط.
قوله: (فَأَتَتْهُ) أي: سارة إبراهيم، (مَهْيا) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التَّحتيَّة مقصورٌ من غير همزٍ؛ أي: ما حالك وما شأنك.
قوله: (قالَ أَبُو هُرَيرَةَ) أي: بالسَّند السَّابق، (تِلْكَ) أي: هاجر، (أُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّمَاءِ) إنَّما أطلق عليهم هذا اللَّفظ لكثرة ملازمتهم مواقع القطر لرعي دوابِّهم، وقيل: إنَّما أراد ماء زمزم أنبعها الله تعالى لهاجر، فعاشوا بها فصاروا كأنَّهم أولادها، وذكر ابن حبَّان في «صحيحه» : إنِّ كلَّ من كان من ولد هاجر يقال له: ولد ماء السَّماء لأنَّ إسماعيل ولدته هاجر وقد ربي بماء زمزم، وهي ماء اسَّماء الَّذي أكرم به إسماعيل حين ولدت هاجر.