فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 8133

في تحمُّل الحديث: يصحُّ التَّحمُّل قبل الإسلام، وكذا قبل البلوغ، واختُلِفَ في الزَّمن الَّذي يصحُّ فيه السَّماع مِنَ الصَّبيِّ؛ فقيل: خمس سنين، وقيل: يعتبر كلُّ صغيرٍ بحاله، فإذا فَهِم الخطاب وردَّ الجواب؛ صحَّحنا سماعه وإن كان دون خمسٍ، وإلَّا لم يصحَّ وإن كان فوق خمس.

وأعلى أنواع التَّحمُّل السَّماعُ مِن لفظ الشَّيخ، ويقال فيه: حدَّثنا، أو حدَّثني إذا كان منفردًا، أو سمعتُ أفرادًا وجمعًا

ص 11

سمعتُ على مَن حدَّثني، ثمَّ القراءة على الشَّيخ، سواء قرأ بنفسه أو قرأ غيره على الشَّيخ وهو يسمع، ويقول عند الأداء: أخبرنا، والأحوط الإفصاح، فإن قرأ بنفسه قال: قرأتُ على فلان، وإلَّا قال: قراءة على فلان وأنا أسمع، ثمَّ الإجازة المقرونة بالمناولة، بأن يدفع الشَّيخ أصل سماعه أو فرعًا مقابلًا عليه، ويقول: هذا سماعي، أو روايتي عن فلانٍ فاروِه عنِّي، وأجزتُ لك روايته.

ثمَّ الإجازة أنواع؛ أعلاها المعيَّن، كأجزتك البخاريَّ مثلًا، أو أجزت فلانًا الفلاني جميع فهرستي ونحوه، أو أجزته بجميع مسموعاتي أو مرويَّاتي، أو أجزتُ للمسلمين أو لِمَن أدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلانيِّ، ويقول المحدِّث بها: أنبأنا أو أنبأني، ثمَّ المكاتبة؛ بأن يكتب مسموعه أو مقروءه جميعه أو بعضه، لنائبٍ أو حاضرٍ بخطِّه أو بإذنه، مقرونًا ذلك بالإجازة أو لا، ثمَّ الإعلام؛ بأن يقول: هذا الكتاب رويته أو سمعته، مقتصرًا على ذلك مِن غير إذنٍ، وهذه جوَّزها كثيرٌ مِن الفقهاء والأصوليِّين، ثمَّ الوصيَّة؛ بأن يوصي الرَّاوي عند موته أو سفره لشخصٍ بكتاب يرويه، فجوَّزه بعض بعض، والصَّحيح عدم الجواز، إلَّا إن كان مِنَ الموصي إجازة الوجادة، بأن يقف على كتابٍ بخطٍّ يعرفه الشَّخص، عاصره أوَّلًا، فيه أحاديث يرويها ذلك الشَّخص ولم يسمعها ذلك الواجد، ولا له منه إجازة، فيقول: وجدت أو قرأت بخطِّ فلان كذا، ثمَّ يسوق الإسناد والمتن، روي لمَّا عُزِلَ أبو العبَّاس بن الوليد عن قضاء الرمي ورد بخارى سنة ثمان عشرة [1] وثلاث مئة قال: فقصدت محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ وأعلمته بمرادي، وسألته الإقبال على ذلك، فقال: يا بنيَّ لا تدخل في أمرٍ إلَّا بعد معرفة حدوده، والوقوف على مقاديره، فقلت: عرِّفني [2] رحمك الله حدود ما قصدتك له، ومقادير ما سألتك عنه، فقال لي: اعلم أنَّ الرَّجل لا يصيرُ محدِّثًا كاملًا في حديثه؛ إلَّا بعد أن يكتب أربعًا مَعَ أربعٍ، كأربع مثل أربع، في أربع عند أربع، بأربع عن أربع لأربع، وكلُّ هذه الرُّباعيَّات لا تتمُّ [3] إلَّا بأربعٍ مع أربع، فإذا تمَّت له كلُّها، هان عليه أربع، وابتلى بأربعٍ، فإذا صبر على ذلك أكرمه الله تعالى في الدُّنيا بأربع، وأثابه في الآخرة بأربعٍ، قلت: فسِّر لي رحمك الله تعالى ما ذكرتَ مِن أحوال هذه الرُّباعيَّات، مِن قلب صافٍ وبيانٍ شافٍ، طلبًا للأجر الوافي، فقال: نعم، الأربع الَّتي يحتاج إلى كتبها؛ هي أخبار الرَّسول صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، وشرائعه، والصَّحابة رضي الله تعالى عنهم ومقاديرهم، والتَّابعين وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم، مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأزمنتهم، ثمَّ لا تتمُّ هذه الأشياء إلَّا بأربعٍ؛ هي مِن كسب العبد؛ أعني معرفة الكتابة والَّلغة والتَّصريف والنَّحو، مع أربعٍ هي مِن إعطاء الله تعالى؛ أعني القدرة، والصَّحَّة، والحرص، والحفظ، فإذا تمَّت له هذه الأشياء كلُّها، هان عليه أربع؛ الأهل، والولد، والمال، والوطن، وابتلي بأربعٍ؛ بشماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء، فإذا صبر على هذه المحن؛ أكرمه الله تعالى في الدُّنيا بأربعٍ؛ بعزِّ القناعة، وبهيبة النَّفس، وبلذَّة

ص 12

العلم، وبحياة الأبد، وأثابه في الآخرة بأربعٍ؛ بالشَّفاعة لِمَن أراد بإخوانه [4] ، وبظلِّ العرش يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، ويسقي مَن أراد مِن حوض نبيِّه صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، وبمجاورة النَّبيِّين في أعلى عليِّين في الجنَّة، كذا في «القسطلانيِّ» .

[1] في الأصل: (عشر) .

[2] في الأصل: (عزمني) .

[3] في الأصل: (يتم) ، وكذا في الموضع اللاحق.

[4] في الأصل: (بأخواته) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت