قوله: (واحد) أي: لا تفاوتَ بينها كما هو مقتضى اللُّغةِ، وذهبَ مسلمٌ إلى أنَّ (حدَّثنا) لا يجوزُ إطلاقُهُ إلَّا على ما سمعَهُ من لفظِ الشَّيخِ خاصَّةً، و (أخبرنا) لما قُرِئَ على الشَّيخ، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ، وجمهورِ قومٍ من المتأخِّرينَ على إطلاق (أنبأنا) في الإجازة، فهو أدنى من (أخبرنا) .
وأمَّا (سمعتُ) فهو لما سُمِعَ من لفظِ الشَّيخِ سواءً كانَ الحديثُ معهُ أو معَ غيرِهِ، فهوَ أحطُّ مرتبةً من (حدَّثنا) .
وقال الخطيب البغداديُّ: أرفع العبارات في ذلك: سمعتُ حدَّثني، ثمَّ أخبرني، ثمَّ أنبأني.
قالَ ابنُ بطَّالٍ: قالَ طائفةٌ: (حدَّثنا) لا يكونُ إلَّا مشافهةً، و (أخبرنا) قدْ يكونُ مشافهةً وكتابًا وتبليغًا؛ لأنَّك تقول: أخبرنا اللهُ تعالى بكذا في كتابهِ، ورسولُهُ بكذا، ولا تقولُ: (حدَّثنا) إلَّا أنْ يشافِهَكَ المخبرُ بذلكَ.
وقالَ الطَّحاويُّ: لمْ نجدْ بينَ الحديثِ والخبرِ فرقٌ في كتابِ اللهِ تعالى وسنَّةِ رسولِهِ.
قالَ اللهُ تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزَّلزلة:4] ، وهوَ مذهبُ ابنِ عيينةَ ومالكٍ والبخاريّ ومعظمِ الحجازيِّين والكوفيِّين.
وذهبَ مسلمٌ إلى الفرقِ بينهما؛ أي: بما تقدَّمَ، وذهبَ طائفةٌ إلى أنَّه لا يجوزُ إطلاقُ (حدَّثنا وأخبرنا) في القراءةِ على الشَّيخِ، وهو مذهبُ أحمدَ بنِ حنبل، والمشهورُ عنِ السَّناي، تمَّ كلامه.
فإن قلتَ: هل يعلم من هذا الكتاب مختار البخاريِّ في ذلك؟
قلتُ: نعم،
ص 63
حيثُ نقلَ مذهبَ الاتِّحادِ من غيرِ ردٍّ عليهِ وغيرِ ذكرِ مذهبِ المختارِ أشعرَ بأنَّ ميلَهُ إلى عدمِ الفرقِ.
قوله: (الصَّادق) أي: في نفسِ الأمرِ، والواقعُ المصدوقُ بالنِّسبةِ إلى اللهِ تعالى وإلى النَّاسِ؛ أي: المصدِّق أو الصَّادق؛ أي: بالنِّسبةِ إلى ما قالَ هو لغيرِهِ، والمصدوقُ؛ أي: بالنِّسبةِ إلى ما قالهُ غيرهُ؛ أي: جبرائيلُ لهُ.
وقيلَ: المصدوقُ: الَّذي صدَّقَه اللهُ تعالى بالمعجزاتِ الباهرةِ.
قوله: (وقال أبو العالية عن ابن عبَّاس رضي الله عنه) فإن قلتَ: ففيهِ ذكرُ ما لا تعلُّقَ لهُ بالتَّرجمةِ وهوَ ذكرُ العنعنةِ وذكرُ الرِّوايةِ، وفيهِ تركُ ما له تعلُّقٌ بها وهو ذكرُ الأنباءِ.
قلتُ: لفظُ الرِّوايةِ شاملٌ لجميعِ هذهِ الأقسامِ، وكذا لفظُ العنعنةِ؛ لاحتمالِهِ كلًّا منَ الألفاظِ الثَّلاثةِ.
[قيلَ: غرضُهُ من التَّعاليقِ الثَّلاثةِ] [1] الأوَّلِ أنَّ الصَّحابيَّ قالَ تارةً: حدَّثنا، وتارةً: سمعتُ، فدلَّ على أنَّهم لم يفرِّقوا بين الصِّيغِ.
وأمَّا التَّعاليقُ الثَّلاثةُ الأخيرةُ؛ فقدْ وصلَها في (كتابِ التَّوحيدِ) فأرادَ أنْ يذكرَها ههنا أنَّ حكمَ العنعنةِ الوصلُ عندَ ثبوتِ اللِّقاءِ.
[1] ما بين قوسين مكرَّر.