فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 8133

50 -قوله:(مسدَّد)بفتحِ الدَّالِ المشدَّدةِ.

و (أبو حيَّان) بفتحِ الحاءِ المهملةِ وتشديدِ الياءِ، إمَّا مشتقٌّ من الياءِ فلا ينصرفُ، أو من الحينِ، فينصرفُ.

و (أبي زرعة) بضمِّ الزَّاي وسكونِ الرَّاءِ.

قوله: (بارزًا للنَّاس) أي: ظاهرًا لهم جالسًا معهم غير محتجبٍ عنهم ولا ملتبسٍ بغيره، فإنَّه صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ كانَ في أوائلِ الأيَّامِ يجلسُ بينَ أصحابِهِ فيجيءُ الغريبُ فلا يدري أيُّهم هو، فقصدوا أن يجعلوا له مجلسًا يعرفُه الغريبُ إذا أتاهُ، فبنوا له دكَّانًا منْ طينٍ كانَ يجلسُ عليهِ.

قوله: (فأتاه رجل) أي: ملَكٌ في صورةِ رجلٍ، فقالَ بعدَ أنْ سلَّمَ: يا رسولَ اللهِ، أو: يا محمَّدُ، كما في «مسلم» ، وإنَّما ناداهُ باسمهِ كما يناديهِ الإعرابُ بعمية حالِهِ؛ كذا في «القسطلانيِّ» .

قوله: (أن تؤمن بالله) أي: تصدِّقَ بوجودِهِ واتِّصافِهِ بصفاتِ الكمالِ عن سماتِ النَّقصِ.

والمرادُ من الإيمانِ في السُّؤالِ الإيمانُ الشَّرعيُّ، وفي الجوابِ اللُّغويِّ فلا يلزمُ تعريفُ الشَّيءِ بنفسِهِ.

فإن قيل: الحدُّ لا يقبلُ التَّصديقَ، فلمَ قالَ جبريلُ: «صدقت» كما في «مسلم» ؟

أجيب: بأنَّه إذا قيلَ في الإنسانِ حيوانٌ ناطقٌ، وقصدَ بهِ التَّعريفُ، فهو لا يقبلُ التَّصديقَ كما ذكرتَ، وإن قصدَ بهِ أنَّ ذاتَ الإنسانِ محكومٌ عليها بالحيوانيَّةِ والنَّاطقيَّةِ، فهي دعوى وخبر فيقبله، فلعلَّ جبرائيلَ عليهِ السَّلامُ يراعي هذا المعنى، أو بأنَّ قولَهُ: (صدقتَ)

ص 55

تسليمٌ، والحدُّ يقبلُ التَّسليمَ، ولا يقبلُ المنعَ؛ لأنَّه طلبُ الدَّليلِ، والدَّليلُ إنَّما يتوجَّه للخبرِ، والحدُّ تفسيرُ لا خبرٌ.

قوله: (وملائكته) أي: تصدِّقُ بوجودِهِمْ وأنَّهم كما وصفَهُم اللهُ تعالى عبادٌ مكرمونَ.

قوله: (وكتبه) بأنَّها كلامُ اللهِ تعالى، وأنَّ ما تضمَّنته حقٌّ.

و (بلقائه) قيلَ: المرادُ بالبعثِ القيامُ منَ القبورِ، وباللِّقاءِ ما بعده من الحسابِ وغيرِهِ.

وقيلَ: اللِّقاءُ الانتقالُ من الدُّنيا، والبعثُ بعدَ ذلك.

وقيلَ: اللِّقاءُ رؤيةُ اللهِ تعالى، وتعقُّبَهُ النَّوويُّ بأنَّ أحدًا لا يقطعُ لنفسِهِ بالرُّؤيةِ، فإنَّها مختصَّةٌ بمن ماتَ مؤمنًا، والمرادُ لا يدري بم يختمُ لهُ.

وأجيبُ بأنَّ المرادَ بأنَّ ذلكَ حقٌّ في نفسِ الأمرِ.

قالَ في «الفتحِ» : وهذا منَ الأدلَّةِ القويَّةِ لأهلِ السُّنَّةِ في إثباتِ رؤيةِ اللهِ تعالى في الآخرةِ، إذ جُعِلَتْ من قواعدِ الإيمانِ.

أقولُ: هذا إنَّما يتمُّ أنَّه لو كانَ اللِّقاءُ نصًّا في معنى الرُّؤيةِ.

قوله: (الإسلام أن تعبد الله) أي: أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، يدلُّ عليهِ حديثُ عمرَ رضيَ اللهُ تعالى عنه: الإسلامُ أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهَ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، لكنَّ الرَّاوي ههنا لمَّا عبَّرَ عنهُ بالعبادةِ؛ احتاجَ أن يوضِّحَها بقولِهِ: ولا تشركَ بهِ، بخلافِ روايةِ عمرَ رضي اللهُ تعالى عنهُ.

قوله: (كأنَّك تراه) حالٌ منَ الفاعلِ؛ أي: تعبدُ اللهَ مشبهًا بمن يراهُ، أو مثلُ حالِ كونِكَ رائيًا له.

قوله: (فإنَّه يراك) فإن قلتَ: لا يصحُّ أن يكونَ جزاءً للشَّرطِ؛ لأنَّه ليس مسبًّبًا عنه.

قلتُ: يجوزُ أن يقدِّرَ الجزاءَ مثلَ: فإنْ لمْ تكنْ تراهُ؛ فلا تفعلْ، فإنَّهُ يراكَ.

قوله: (بأعلم من السَّائل) فإن قلتَ: نفيُ العلميَّةِ يُشعِرُ بوقوعِ أصلِ العلمِ، لكنَّ الأمرَ بخلافِهِ؛ لأنَّهما متساويانِ في نفيِ العلمِ بهِ.

قلتُ: المرادُ التَّساوي في القدرِ الَّذي يعلمانِ منها، وهوَ نفسُ وجودِهَا.

وقيلَ: المرادُ التَّساوي في العلمِ بأنَّ اللهَ تعالى استأثرَ بعلمِهَا.

وردَّ بأنَّه إنَّما يصحُّ أنْ لو عرفَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ وقتَ السُّؤالِ أنَّ الرَّجلَ جبرائيلُ، لكنَّ الرِّواياتِ تدلُّ على أنَّه ما عرفَهُ إلَّا في آخرِ الحالِ.

قوله: (عن أشراطها) جمعُ (شَرَطٍ) بفتحتينِ؛ أي: علاماتِها، وقيلَ: مقدِّماتِهَا، وقيل: صغارُ أمورِهَا، والمرادُ: العلاماتُ السَّابقةُ لها لا المقارنة، كطلوعِ الشَّمسِ من مغربِهَا.

قوله: (إذا ولدت) والجزاءُ محذوفٌ، تقديرُهُ: فهي؛ أي: الولادةُ شرطه، والأظهرُ أنْ يكونَ إذا؟؟؟ بمجرَّدِ الوقتِ؛ أي: وقتُ الولادةِ على أنَّهُ بدلٌ من (أشراطِها) .

(ربَّها) وفي بعضِها: (ربَّتها) أي: مَالِكَها وَسيِّدهَا، وَلدت الأمة ربَّها.

وقد اختلفَ العلماءُ في معنى هذا اللَّفظِ اختلافًا كثيرًا، والأقربُ أنَّ المعنى أنَّه يكثرُ العقوقُ في الأولادِ، فيعاملُ أمَّهُ معاملةَ السَّيِّدِ أمتَهُ منَ الإهانةِ بالسَّبِّ والضَّربِ والاستخدامِ، فأطلقَ عليهِ (ربَّها) مَجازًا لذلكَ.

أو المرادُ بـ (الرَّبِّ) المربِّي، فيكونُ حقيقةً.

قالَ في «الفتحِ» : هذا أوجهُ، والأوجهُ عندي؛ لأنَّ المقامَ يدلُّ على أنَّ المرادَ حالة يكونُ معَ كونِهَا تدلُّ على فسادِ الأحوالِ مستغربةً، وتحصلُ الإشارةُ بقربِ قيامها عند انعكاسِ الأمورِ، بحيثُ يصيرُ المربَّى مربِّيًا والسَّافلُ عاليًا، لا سيَّما إذا كانَ بنتًا، وهو مناسبٌ لقولهِ في العلامةِ الأخرى: «أنْ تصيرَ الحفاةُ العراةُ ملوكَ الأرضِ» .

و (إذا تطاول) يُقالُ: تطاولَ الرَّجلُ؛ إذا تكبَّر؛ أي: ومن علاماتِ القيامةِ أنْ ترى أهلَ

ص 56

الباديةِ ممَّنْ ليسَ لهمْ لباسٌ ونعلٌ، وكانوا رعاةَ الإبلِ والشَّاةِ، تُبسَطُ لهمُ الدُّنيا فيتكبَّرونَ ويتفاخرونَ في طولِ بيوتِهِمْ ورفعتِهَا.

قوله: (رعاة) بضمِّ الرَّاءِ جمعُ راعٍ.

و (البهم) بضمِّ الموحَّدةِ جمعُ الأبهمِ؛ أي: الأسودُ الخالصُ الَّذي لا يشوبُهُ لونٌ آخرُ، وقيلَ: بمعنى المجهولِ، رُوِيَ روي بالرَّفعِ على أنَّهُ صفةُ الرُّعاةِ السُّودِ الَّذينَ أسودهم حرُّ الصَّيفِ وبردُ الشِّتاءِ أو المجهولونَ الأنسابِ الَّذينَ لا يعرفونَ، وبالجرِّ على أنَّه صفةُ الإبلِ، قيلَ: الإبلُ السُّودُ شرُّ الأموالِ عندَهُم.

قوله: (في خمس) خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: علمُ وقتِ السَّاعةِ داخلٌ في جملةِ (خمس) ، أو متعلِّقٌ بـ (أعلم) أي: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ في علمِ خمسٍ.

قوله: (الآية) نصبٌ على تقديرِ: (أعني) أو: أقرأ أو تلا، أو رُفِعَ على أنَّه مبتدأ خبرُهُ محذوفٌ؛ أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخرها، أو جرٌّ بتقديرِ (أي) إلى مقطعِهَا وتمامِهَا.

قيلَ: وظنُّ الغيبِ يجوزُ من المنجِّمِ وغيرِهِ إذا كانَ عن أمرٍ عاديٍّ، وليسَ ذلكَ بعلمٍ.

(ثمَّ أدبر) أي: الرَّجلُ السَّائلُ.

(فقال) أي: رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ.

قوله: (يعلِّم النَّاسَ) جملةٌ وقعتْ حالًا مقدَّرةً؛ لأنَّه لم يكن معلِّمًا وقتَ المجيءِ، واعلمْ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ إنَّما عرفَ أنَّهُ جبرائيلُ بعدَ ما أدبرَ، إذ جاءَ في الحديثِ: «والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدهِ ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفُهُ، إلَّا أنْ يكونَ هذهِ المرَّة» ، وفي روايةٍ: «فوالَّذي نفسي بيدِهِ ما شُبِّهَ عليَّ منذُ أتاني قبلَ مرَّتي هذهِ، وَمَا عرفتُهُ حتَّى ولَّى» ، واتَّفقت الرِّواياتُ على أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ أخبرَ الصَّحابةَ بشأنِهِ بعدَ أن التمسوهُ فلمْ يجدوهُ.

وأمَّا ما رُوِيَ عن عمرَ رضيَ اللهُ تعالى أنَّه أخبرَ بعدَ ثلاثةِ أيَّامٍ؛ فقيلَ في الجمعِ والتَّطبيقِ: أنَّ عمرَ لمْ يحضرْ قولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ، بلْ قامَ معَ الَّذينَ توجَّهوا في طلبِ الرَّجلِ أو لشغلٍ آخرَ، ولم يرجعْ منْ رجعَ لعارضٍ عرضَ لهُ، فأخبرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ ذلكَ المذكورَ في هذا الحديثِ؛ أي: الإيمانُ الكاملُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت