فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 8133

في ترجيح «صحيح البخاريِّ» على غيره وما يتعلَّق به، اتَّفق الأئمَّة على تلقِّي «الصَّحيحين» بالقبول، واختلف في أيِّهما أرجح، وصرَّح الجمهور بتقديم «صحيح البخاريِّ» ، وما نُقِل عن بعض المغاربة: أنَّه فضَّل «صحيح مسلمٍ» على «صحيح البخاريِّ» ؛ فذلك يرجع إلى حسن السِّياق وجودة الوضع، أمَّا رجحانه مِن حيث الاتِّصال؛ فلاشتراطه أن يكون الرَّاوي قد ثبت له لقاء مَن روى عنه ولو مرَّةً، واكتفى مسلمٌ بمطلق المعاصرة، وأمَّا مِن حيث العدالة والضَّبط؛ فلأنَّ الرِّجال الذين تَكَلَّم فيهم مِن رجال البخاريِّ لم يكثر مِن إخراج حديثهم، بل غالبه مِن شيوخهم الذين أخذ عنهم، ومارس حديثهم، وميَّز جيِّدها مِن موهومها، بخلاف مسلمٍ؛ فإنَّه أكثر مَن تفرَّد بتخريج حديثه ممَّن تُكلِّم فيه مَن تقدَّم عصره مِنَ التَّابعين ومَن بعدهم، ولا ريب أنَّ المحدِّث أعرف بحديث شيوخه ممَّن تقدَّم عنهم، وأمَّا مِن حيث عدم الشُّذوذ والإعلال؛ فلأنَّ ما انتقد على مسلمٍ.

واعلم أنَّ البخاريَّ رحمه الله تعالى كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع، ويستدلُّ به في كلِّ بابٍ بإسنادٍ آخر، ويسترجم منه معنًى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلَّما يُورِد حديثًا في موضعين بإسنادٍ واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، وإنَّما يورده مِن طريقٍ أخرى؛ لقصد أن يخرج الحديث مِن حدِّ الغرابة بتعدُّد الطُّرق، أو التَّنبيه على اشتمال الحديث على معانٍ متغايرة، فيورده على الوجهين، بابًا مع اختلافٍ قليلٍ في نُسَخ الأصول وعدد الأحاديث المسندة، وفيه سبعة آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا، والمكرَّرات منه قريب النِّصف، فأحاديثه بدون التَّكرار تقارب أربعة آلاف، وعدد مشايخه الذين خرَّج عنهم، وفيه مئتان وتسعة وثمانون، وعدد مَن تفرَّد بالرِّواية عنهم دون مسلمٍ مئة وأربعة وثلاثون، وتفرد أيضًا بمشايخٍ لم تقع الرِّواية عنهم لبقيَّة أصحاب الكتب الخمسة إلَّا بالواسطة، ووقع له اثنان وعشرون حديثًا عاليًا رفيعًا ثلاثيَّ الإسناد.

روي بالإسناد الثَّابت عنِ البخاريِّ أنَّه قال: رأيت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم وكأنِّي واقفٌ بين يديه، وبيدي مروحة أذبُّ عنه، فسألت بعض المعتبرين، فقال: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلَنِي على إخراج «جامع الصَّحيح» ، وقال: ما كتبت في كتاب الصَّحيح حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك، وصلَّيت ركعتين، وقال: أخرجته مِن نحو ستِّ مئة ألف حديثٍ، وجعلته حجَّة فيما بيني وبين الله، وقال: صنَّفتُ كتابي «الجامع» في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتَّى استَخَرتُ الله تعالى، وصلَّيت ركعتين، وتيقَّنت صحَّته.

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: والجمع بين هذا وبين ما رُوِيَ أنَّه كان يصنِّفه في البلاد أنَّه ابتدأ

ص 13

تصنيفه وترتيب أبوابِه في المسجد الحرام، ثمَّ كان الأحاديث بعد ذلك في بلاده وغيرها، يدلُّ عليه قوله: إنَّه قام في ستَّة عشر سنة، فإنَّه لم يجاور [1] بمكَّة هذه المدة كلَّها، وقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي حمزة: قال لي مَن لقيت مِنَ العارفين: إنَّ «الصحيح البخاريَّ» ما قُرِئ في شدَّةٍ إلَّا فرجت، ولا رُكِب به في مركبٍ فغرق، قال: وكان مجاب الدعوة، وقد دعا لقارئه رحمه الله، وقال الحافظ عماد الدين بن كثير: وكتاب «البخاريِّ الصحيح» يُستَسقى بقراءته الغمامُ، وأجمع على قبوله وصحَّة ما فيه أهلُ الإسلام، كذا في «القسطلانيِّ» .

[1] في الأصل: (يجاوز) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت