قولُهُ: (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ) حرًّا كانَ أو عبدًا، و (غُسْلَ الجَنَابَةِ) أي: كغسلِ الجنابةِ في الصِّفاتِ والشَّرائطِ، قالَ في «المقاصدِ» : وَهوَ الصوابُ، وقيلَ: هوَ على الحقيقةِ
ص 222
وهوَ أن يطأَ حليلتَهُ؛ لأنَّ فيهِ غضًا للبصرِ، وَصيانةً عن المحرَّماتِ.
قولُهُ: (ثُمَّ راحَ) أي: ذهبَ، و (بَدَنَة) أي: وَاحدًا من الإبلِ، سُمِّيَ بالبدنةِ لعِظَمِ بدنِها، وسمى البقرة (بَقَرَة) لأنَّها تبقرُ الأرضَ؛ أي: تشقُّها بالحراثةِ، ووصفَ الكبشَ بـ (الأقرنِ) لأنَّهُ أكملُ وأحسنُ صورةً، ولأنَّ قرنه يُنتفعُ بهِ، ومَعنى (قرَّبَ) تصدَّقَ، فلا يرد أنَّ القربانَ؛ أي: الهدي، لا يكونُ في الدَّجاجةِ وَالبيضةِ.
أقولُ: الظاهرُ أن يرادَ بالساعاتِ الأزمنةُ اللَّطيفةِ بعدَ الزَّوالِ؛ كما قالَ بهِ مالك وإمامُ الحرمين، وَالقاضي حسين لما سيأتي في (بابِ الاستماع إلى الخطبةِ) ؛ مثل: (المهجِّر كمثل الذي يهدي بدنه ... ) إلى آخره، لا الساعاتُ الفلكيَّة الأربعة والعشرون التي قُسِّمَ عليها اللَّيلُ وَالنَّهارُ، وَالمرادُ ترتب درجاتِ الصالحين على مَن يليهم في الفضيلةِ، وَفي «القسطلاني» : المرادُ بالسَّاعات عندَ الجمهورِ من أوَّلِ النَّهارِ، وهوَ قولُ الشَّافعيِّ، واعترضَ بأنَّ عملَ الناسِ جيلًا بعد جيل يخالفه، ولم يعرَف أنَّ أحدًا من الصَّحابةِ كانَ يأتي المسجدَ لصلاةِ الجمعةِ عندَ طلوعِ الشَّمسِ، ولا يمكنُ حملُ حالِهم على تركِ هذهِ الفضيلةِ العظمى، وقيلَ: المرادُ السَّاعاتُ الفلكيَّةُ قبلَ الزَّوالِ، إذ قد روى النَّسائيُّ مرفوعًا: «يومُ الجمعةِ اثنا عشرَ ساعةً» ، ولا فضيلةَ لمن أتى بعدَ الزَّوالِ، لأنَّ النِّداء يكونُ؟؟، والتَّخلُّفُ بعدَ النِّداءِ حرامٌ،
واعتُرِضَ بأنَّ السَّاعاتِ قبلَ الزَّوالِ ستٌّ لا خمسٌ، والجمعةُ لا تصحُّ في السَّادسةِ، بل في السَّابعةِ، نعم عندَ النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ بعدَ الكبشِ بطَّة ثمَّ دجاجةٌ، وفي أخرى دجاجة، ثمَّ عصفور، ثمَّ بيضة، ومعلومٌ أنَّه صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم كانَ يخرجُ إلى الجمعةِ متَّصلًا بالزَّوالِ، وهوَ بعدَ انقضاءِ السَّاعةِ السَّادسة، قالَ في «الفيضِ» : (كونُ السَّاعاتِ قبلَ الزَّوالِ ستًّا لا خمسًا في حيِّزِ المنعِ؛ لأنَّ المدينةَ المشرفةَ واقعةٌ في أواسطِ الأقاليمِ الثاني، وَوَسَط الأقاليم الثاني على ما ذكرَهُ العلامةُ في «التُّحفةِ الشاهيَّةِ» وغيرِهِ حيثُ النَّهارُ الأطولُ ثلاثَ عشرَ ساعةً ونصفَ ساعةٍ، فعلى هذا النَّهارُ الأقصرُ هناكَ يكونُ عشرَ ساعاتٍ وَنصفَ السَّاعةِ، فما وقعَ في «البخاريِّ» من ذكرِ السَّاعاتِ الخمسِ؛ فناظر إلى أيَّامِ الشِّتاءِ القصارِ، وما وقعَ في «النَّسائيِّ» فهوَ بالنَّظرِ إلى أيَّامِ الصَّيفِ الطِّوالِ، ثمَّ يَجبُ أن تعتبرَ السَّاعاتُ المستويةُ الحقيقيَّةُ، لا المعوَّجة، فإنَّها لا تستقيمُ، فإذا وقعتَ على هذا؛ ظهرَ لكَ أن لا إشكالَ في كلامِ خيرِ البريَّةِ، سيِّدِ الأنبياءِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم، وهذا الجوابُ من نتائجِ اشتغالنا بالعلومِ الرياضة، فالحمدُ للهِ الذي لم يضيِّع اشتغالنا فيها، بل جَعَلهُ سببًا وَوسيلةً إلى تحقيقِ المطالبِ الدِّينيَّةِ، فالعلمُ من حيثُ هو؛ هو حسنٌ نافعٌ) انتهى.
قولهُ: (يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) أي: الخطبة.