فحدُّه: علمٌ يُعرَفُ به أقوالُ رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم، وأفعالُه وأحوالُه، وموضوعه: ذات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِن حيث رسول الله، وغايته: الفوز بسعادة الدَّارين، وأمَّا فضيلة أهله؛ فقد روينا عن ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم: «نضَّر الله تعالى امرَأً سَمِعَ مقالتي فَحَفِظَهَا وَوعاها وأدَّاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه» ، رواه الشافعيُّ والبيهقيُّ، وكذا أبو داود والترمذيُّ بلفظ: نضَّر الله امرَأً سمع منَّا شيئًا، فبلَّغه كما سمعه، فربَّ مبلَّغٍ أوعى مِن سامعٍ» وقال: حسنٌ صحيحٌ.
وقوله: (نَضَّرَ اللهُ) بتشديد الضَّاد المعجمة ويخفَّف، و (النُّضرة) الحسن والرَّونق، والمعنى: خصَّه الله بالبهجة والسُّرور؛ لأنَّه سعى في نضارة العلم وتجديد السُّنة، فجازاه في رعايةٍ له بما يناسب حاله
ص 2
في المعاملة.
وعن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم: «اللَّهمَّ ارحم خُلفائي» قلنا: يا رسول الله؛ ومَن خلفاؤك؟ قال: «الذين يروون أحاديثي، ويعلِّمونها النَّاس» رواه الطَّبراني في «الأوسط» .
فعلى العالِم بالسُّنَّة أن يجعل أكبر همِّه نشر الحديث، فقد أمر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالتَّبليغ حيث قال: «بلِّغوا عنِّي ولو آية ... » الحديث.
قال المظهريُّ: أي: بلِّغوا عنِّي أحاديثي ولو كانت قليلةً، وقال إمام الأئمَّة مالكٌ رحمه الله تعالى: بلغني أنَّ العلماءَ يُسألون يوم القيامة عَن تبليغهم العلمَ؛ كما يُسَأل الأنبياء عليهم السلام، وقال سفيان الثَّوريُّ رضي الله تعالى عنه: لا أعلم عَمَلًا أفضل مِن طلب العلم لِمَن أراد وجه الله تعالى، إنَّ النَّاس يحتاجون إليه حتَّى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل مِنَ التَّطوُّع بالصَّلاة والصِّيام، لأنَّه فرض كفايةٍ.
وفي حديث أسامة بن زيدٍ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم أنَّه قال: «يحمل هذه العلم مِن كلِّ خلفٍ عدوله، ينفون عنه تَحريف الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويل الجاهلين» ، رواه عليٌّ وابن عُمَر، وابن مسعودٍ، وابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهم، وفيه تخصيصُ حملة السُّنَّة بهذه المنقبة العليَّة، وتعظيم بهذه الأمَّة المحمَّديَّة، وبيانٌ لجلالة قدر المحدِّثين، وعلوم ثبتهم في العالمين، لأنَّهم يحمون مشارع الشَّريعة ومتونَ الرِّوايات مِن تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين بنقل النُّصوص المُحكَمَة لردِّ المتشابه إليها.
وقال النَّوويُّ رحمه الله: هذا إخبار منه صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم بصيانة هذا العلم وحفظه، وأنَّ الله تعالى يُوقف له في كلِّ عصرٍ خلفاء مِنَ العدول، يحملونه وينفون عنه التَّحريفَ، وهذا تصريحٌ بعدالةِ حامليه في كلِّ عصرٍ، وهكذا وقع، ولله الحمد، وهو مِن أعلام النُّبوَّة، ولا يضرُّ كون الفُسَّاق يعرف شيئًا مِن علم الحديث، فإنَّ الحديث إنَّما هو إخبارٌ مِنه صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّ العدولَ يحملونه، لا أنَّ غيرهم لا يعرف منه شيئًا، انتهى.
ومِن شَرَفِ أهلِ الحديث: ما رويناه مِن حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم: «إنَّ أَولى النَّاس بي يومَ القيامة أكثرهم عليَّ صلاة» ، قال التِّرمذيُّ: حسنٌ غريبٌ، وقال ابن حِبَّان: في هذا الحديث بيانٌ صحيحٌ على أنَّ أولى النَّاس برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في يوم القيامة أصحاب الحديث؛ إذ ليس مِن هذه الأمَّة قومٌ أكثر صلاة منهم، كذا في «القسطلانيِّ» .
أقول: لعلَّ مراده أنَّ مجموع قومِ أصحاب الحديث مِن حيث المجموع أكثر صلاة مِن غيرهم، لا أنَّ كلَّ فردٍ منهم أكثر صلاة مِن أفراد غيرهم؛ إذ كُثر مِن الصُّلحاء غير أصحاب الحديث أوجبوا على أنفسهم أن يصلُّوا على النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم كلَّ يومٍ ألف صلاةٍ وأكثر، ولا يعلم أنَّ كلَّ واحدٍ مِن أصحاب الحديث يصلِّي كلَّ يومٍ هذا القدر، والله تعالى أعلمُ بالصواب.
في «جواهر الأصول» : وعنه صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم: «إذا كان يوم القيامة؛ جاء أصحابُ الحديث إلى بين يَدي الله تعالى ومعهم المحابر، فيقول الله تعالى: أنتم أصحاب الحديث، طال
ص 3
ما كنتم تصلُّون على النَّبيِّ، ادخلوا الجنَّة»، انتهى.
وفي «بدور المسافرة» : لكلِّ طائفةٍ إمامٌ يقدمهم، قال الله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء:71] ، قال بعض السَّلف: هذا أكبر شرفٍ لأصحاب الحديث؛ لأنَّ إمامهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم.
هذا، وأمَّا سبب تدوين الحديث؛ فهو أنَّه لمَّا انتشرَ الإسلامُ وتفرَّقت الصحابة في الأقطار وكثرت الفتوحات ومات معظم الصحابة، وتفرَّقت أصحابهم وأتباعهم، وقلَّ الضَّبط؛ احتاج العلماءُ إلى تدوين الحديثِ، وتقييده بالكتابة، وكان أوَّل مَن أمر بتدوينه وجمعه؛ عمر بن عبد العزيز، أنَّه كتب إلى أهل الآفاق انظروا إليَّ حديثَ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم فاجمعوه.
وقال في «مقدِّمة الفتح» : وأوَّل مَن جمع في ذلك الرَّبيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهما، وكانوا يصنِّفون كلِّ بابٍ على حدة، إلى أن ينتهي الأمرُ إلى كبار الطبقة الثَّالثة، فصنَّف الإمام مالك بن أنسٍ «الموطَّأ» بالمدينة، وعبد الملك بن جُرَيج بمكَّة، وعبد الرَّحمن الأوزاعيُّ بالشَّام، وسفيان الثَّوريُّ بالكوفة، وحمَّاد بن سلمة بن دينارٍ بالبصرة، ثمَّ تلاهم كثيرٌ مِنَ الأئمَّة، فمنهم مَن يقيِّد بالصَّحيح محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، أسكننا الله تعالى معه فردوس جِنانه، بفضله ولطفه وكمال إحسانه.